كيف يستفيد الروس من توترات مضيق هرمز؟

2026.03.07 - 11:17
Facebook Share
طباعة

 مع كل تصعيد عسكري يقترب من مضيق هرمز، تتحول الجغرافيا نفسها إلى عامل تسعير مباشر في أسواق الطاقة العالمية. فالممر البحري الضيق الذي يفصل بين سواحل إيران وشبه الجزيرة العربية ليس مجرد طريق للناقلات، بل يُعد شرياناً حيوياً تمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية وكميات ضخمة من صادرات الغاز الطبيعي المُسال من الخليج العربي.

وأي اضطراب طويل الأمد في هذا المضيق لا يؤدي فقط إلى نقص محتمل في البراميل، بل يخلق صدمة ثقة تزيد المخاطر وتكلفة النقل والتأمين، فتنعكس هذه التداعيات بسرعة على أسعار الوقود والكهرباء وسلاسل الإمداد العالمية.

السيناريو الأكثر ترجيحاً في حالات التصعيد ليس أن يُصدر قرار رسمي بإغلاق المضيق، بل أن يصبح المرور فيه شديد الخطورة. في هذه الحالة، تكفي إشارات محدودة مثل حوادث متفرقة، أو تهديدات متبادلة، أو ضربات قرب الممر الملاحي، لتدفع شركات الشحن إلى تعديل خططها، سواء بالتباطؤ، أو تغيير المسار، أو انتظار "نافذة أمان" قبل العبور. هذا يخلق ازدحاماً وتأخراً في الشحنات، حتى في غياب أي إعلان رسمي بالإغلاق.

الملاحة البحرية في هذه الظروف لا تُقاس بإمكانية العبور على الخريطة فحسب، بل بقدرة الناقلات على الإبحار مع تغطية تأمينية مقبولة ومخاطر يمكن للشركات تحملها دون أن تتحول الرحلة إلى مقامرة مالية وأمنية. وإيران، التي تسيطر على الساحل الشمالي للمضيق وتمتلك أدوات ضغط بحرية وصاروخية، يمكنها بفعالية رفع مستوى المخاطر، ما يضاعف التأثير على حركة الشحن والتأمين والأسعار.

بالنسبة للولايات المتحدة، قد تبدو الصدمة أقل حدة، فهي من كبار المنتجين ولديها أدوات إدارة مثل الاحتياطيات الإستراتيجية أو زيادة الإنتاج بسرعة نسبية. ومع ذلك، فإن ارتفاع أسعار البنزين في الداخل الأمريكي يتحول بسرعة إلى ضغط سياسي داخلي، خصوصاً مع قرب المواسم الانتخابية أو الاستحقاقات التشريعية، مما يجعل الملف حساساً سياسياً أكثر من كونه مجرد أزمة إمداد.

أما أوروبا، فتواجه وضعاً أصعب بكثير. بعد تراجع التدفقات الروسية، اتسع اعتماد أوروبا على السوق الفورية للغاز الطبيعي المُسال، ما يجعلها أكثر عرضة لتقلبات الأسعار العالمية. أي ارتفاع جديد في أسعار الطاقة قد يفاقم تباطؤ النمو الصناعي، ويزيد التضخم، ويولد توتراً اجتماعياً، مع انعكاسات مباشرة على الاستقرار السياسي في عدد من الدول الأوروبية.

تزداد حساسية أوروبا بسبب اعتماد جزء كبير من مزيجها الطاقوي على الغاز المُسال. وإذا تعطلت شحنات الخليج، تصبح المشكلة ليست في إيجاد الغاز نظرياً، بل في القدرة العملية على تعويضه بسرعة، لأن طاقات التسييل والشحن وإعادة التغويز محدودة، وبعض المنتجين يعملون قرب الحد الأقصى من قدراتهم، مما يزيد الضغوط السعرية ويغذي المنافسة العالمية على الشحنات المتاحة.

إعادة التغويز، أو تحويل الغاز الطبيعي المُسال من حالته السائلة شديدة البرودة إلى حالته الغازية، ضرورة لتغذية الشبكات في المنازل والمصانع ومحطات الكهرباء، وهذه العملية محدودة بالقدرة التقنية والوقت، ما يجعل أي اضطراب يخلق فجوة كبيرة بسرعة.

في المقابل، قد تستفيد روسيا بشكل مباشر من أي اضطراب في مضيق هرمز. ارتفاع الأسعار يمنح المنتجين، بما فيهم الخاضعون لعقوبات، مجالاً أوسع للمناورة، في حين تصبح البدائل المتاحة، مثل الخام الروسي، أكثر جاذبية للمشترين الآسيويين، خصوصاً مع زيادة المنافسة على البراميل الخليجية وارتفاع تكلفة النقل والتأمين.

تملك موسكو أيضًا شبكة نقل بحرية موازية تسمح بإعادة توجيه الشحنات لمشترين مستعدين للمخاطرة أو الحصول على خصم، ما يوفر لها ميزة مالية وسياسية. وفي هذا السياق، لا يكون السؤال الأساسي لدى المشترين هو "من أين يأتي النفط؟"، بل "بأي سعر وفي أي وقت؟".

آسيا، وبالأخص الهند والصين، تمثل محوراً حاسماً في معادلة الربح والخسارة. أي اضطراب في الخليج يضغط مباشرة على هذه الدول بسبب قربها الجغرافي واعتمادها على واردات الطاقة. وقد تجعل المنافسة على البراميل الخليجية الخام الروسي بديلاً أسرع وأسهل من إنشاء مسارات جديدة من الصفر.

أي أزمة طاقة كبرى تضيف تعقيدات على قرارات أوروبا، خصوصاً فيما يتعلق بالعقوبات على روسيا. ارتفاع الأسعار ونقص البدائل يجعل الالتزام بالعقوبات أكثر صعوبة، فيما تختلف حسابات السياسة الداخلية بين العواصم الأوروبية، وتختلف درجات الاعتماد على خطوط الأنابيب والشحن البحري.

باختصار، الخطر الحقيقي في مضيق هرمز لا يكمن فقط في الإغلاق الرسمي، بل في إمكانية أن يتحول الممر إلى "منطقة مخاطر" تعطل الملاحة عملياً وتدفع أسعار الطاقة عالمياً إلى الأعلى. في هذا السيناريو، يدفع الغرب، وخاصة أوروبا، الثمن الأكبر، بينما تجني روسيا مكاسب مزدوجة: ارتفاع الأسعار الذي يعزز عائداتها، وطلباً أقوى على بدائل يمكنها توفيرها عبر شبكاتها، مما يمنحها نفوذاً وسيولة مالية وسط توترات الطاقة العالمية والسياسية.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 9