في وقتٍ اعتادت فيه الأسواق أن تتجه نحو الذهب والفضة كملاذ آمن عند تصاعد التوترات الجيوسياسية، جاءت التحركات الأخيرة بعكس النمط التقليدي؛ فقد تراجعت أسعار المعدنين النفيسين بالتزامن مع صعود واضح للدولار الأميركي، في ظل التصعيد العسكري المتسارع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى.
هبط سعر الذهب الفوري بنحو 3.9% في تداولات منتصف اليوم، مع تراجع أسبوعي محدود نسبياً، فيما تكبدت الفضة خسائر أعمق تجاوزت 6% يومياً ونحو 4.5% أسبوعياً. في المقابل، ارتفع مؤشر الدولار الأمريكي قرابة 0.75% خلال الجلسة، مسجلاً مكاسب أسبوعية لافتة، ما يعكس تحوّل السيولة نحو العملة الأميركية باعتبارها أداة تسوية عالمية سريعة في أوقات الاضطراب.
هذه المفارقة تطرح سؤالاً أساسياً: لماذا يتراجع الذهب في وقت يُفترض أن يستفيد فيه من التوترات؟
جني أرباح بعد موجة صعود
يرى عدد من المحللين أن جزءاً كبيراً من الهبوط يرتبط بعمليات جني أرباح بعد صعود قوي سبق التصعيد الأخير. فقد سجل الذهب ارتفاعات ملحوظة خلال الأشهر الماضية مدفوعاً بمزيج من العوامل، بينها التوترات الإقليمية، وتراجع الدولار سابقاً، وعدم وضوح مسار أسعار الفائدة الأميركية. وعندما بلغت الأسعار مستويات مرتفعة تاريخياً، فضّلت مؤسسات مالية تثبيت مكاسبها، ما ولّد موجة بيع فنية أكثر من كونها تحولاً جذرياً في شهية التحوط.
بمعنى آخر، ما حدث قد يكون “تصحيحاً صحياً” داخل اتجاه صاعد طويل الأجل، لا انقلاباً كاملاً في النظرة الاستثمارية للذهب.
الدولار ملاذ سيولة سريع
التحرك نحو الدولار لا يعني بالضرورة تراجع مكانة الذهب كملاذ آمن، بل يعكس اختلافاً في طبيعة التحوط. فالدولار يُستخدم كأداة سيولة فورية في لحظات الصدمة، خصوصاً مع ارتفاع أسعار الطاقة والسلع المقومة به. كما أن صعود النفط يعزز توقعات التضخم، ما قد يدفع الأسواق لإعادة تقييم احتمالات خفض الفائدة من جانب الاحتياطي الفيدرالي. أي تراجع في فرص خفض الفائدة يدعم العملة الأميركية ويضغط على أصول لا تدر عائداً مثل الذهب والفضة.
إضافة إلى ذلك، فإن جزءاً من رؤوس الأموال العالمية يهرب من مناطق التوتر إلى الدولار كعملة تسوية عالمية، خاصة في المدى القصير. لكن هذا الدعم قد يصبح هشاً إذا طال أمد الحرب وارتفعت كلفتها المالية على الاقتصاد الأميركي نفسه.
الفضة بين التحوط والصناعة
تبدو خسائر الفضة أعمق لأنها ليست مجرد معدن نفيس، بل تُعامل أيضاً كسلعة صناعية تدخل في قطاعات متعددة. ومع تزايد المخاوف من تباطؤ اقتصادي عالمي محتمل إذا استمر التصعيد، تتراجع شهية المستثمرين تجاه الأصول المرتبطة بالنشاط الصناعي، ما يضغط على الفضة أكثر من الذهب.
هل سُعّر الخطر مسبقاً؟
من التفسيرات المركزية أيضاً أن الأسواق كانت قد استبقت جزءاً من المخاطر قبل انفجار الأحداث الأخيرة. فقد سجل الذهب موجات صعود تدريجية أوصلته إلى مناطق مقاومة قوية، ما جعل أثر “الخبر الجديد” أقل درامية. هذه الظاهرة تُعرف في الأسواق بـ”التسعير الاستباقي”، حيث يُحتسب الخطر ضمن السعر قبل وقوعه فعلياً.
ورغم التراجع الحالي، لا تزال مؤسسات مالية كبرى تبقي على نظرة إيجابية للذهب على المدى المتوسط. فبنك يو بي إس يتوقع وصول السعر إلى 6200 دولار للأوقية بحلول 2026، بينما يرجح جي بي مورغان مستويات قريبة من 6300 دولار في الأفق ذاته، مدفوعة بطلب البنوك المركزية وتنويع الاحتياطيات. كما سبق أن قدّم دويتشه بنك تقديرات تشير إلى أهداف تتجاوز 6000 دولار خلال العامين المقبلين.
قراءة أوسع للمشهد
الرسالة الأهم للمستثمرين أن الأسواق لا تتحرك دائماً وفق القوالب التاريخية. في بعض اللحظات، تتقدم السيولة السريعة على التحوط التقليدي، ويصبح الدولار الخيار الأول قبل الذهب. لكن إذا طال أمد التصعيد، أو تحوّل إلى أزمة اقتصادية أعمق، فقد تستعيد المعادن النفيسة بريقها سريعاً.
المرحلة الحالية تبدو أقرب إلى إعادة تموضع تكتيكية منها إلى تغيير استراتيجي شامل. السؤال الحقيقي ليس لماذا تراجع الذهب اليوم، بل ما إذا كان هذا التراجع يمثل فرصة شراء في نظر المستثمرين الذين يراهنون على استمرار عدم اليقين عالمياً.