بدأ جيش الاحتلال الإسرائيلي، اليوم الثلاثاء، توغلاً برياً داخل الأراضي اللبنانية، متقدماً مئات الأمتار في بلدتي كفركلا والقوزح، في خطوة تعكس توجهاً تصعيدياً يهدف إلى فرض وقائع ميدانية جديدة جنوب نهر الليطاني، تحت ذريعة الضرورات الأمنية.
ويأتي هذا التحرك بعد سلسلة اغتيالات واستهدافات طالت قيادات في حزب الله، في سياق تصعيد متدرج توسّع ليشمل عمليات برية، بينما أعاد الجيش اللبناني تموضع قواته من نقاط كان قد استحدثها خلال الشهرين الماضيين لتفادي الاحتكاك المباشر. وأوضح مصدر أمني لبناني أن إعادة التموضع جاءت نتيجة التصعيد الإسرائيلي المتواصل.
وأكدت الإذاعة الإسرائيلية الرسمية دخول قوات برية إلى جنوب لبنان، فيما ذكرت صحيفة “هآرتس” أن الجيش يعتزم إخلاء خط القرى الأول والثاني، في مؤشر إلى سعيه لتفريغ الشريط الحدودي من سكانه وفرض نطاق أمني موسع.
لماذا “إصبع الجليل”؟
يرى الخبير العسكري العقيد نضال أبو زيد أن اختيار إسرائيل لمحور “إصبع الجليل” ليس عشوائياً، بل يستند إلى اعتبارات جغرافية وعسكرية تمنحها أفضلية تكتيكية. فقد ركّزت القوات الإسرائيلية تحركاتها على محاور المطلة ووادي الملوك وتل النحاس وصولاً إلى كفركلا، حيث تنتشر الفرقة 210 وفرقة الجليل 91.
وأوضح أبو زيد أن تضاريس المنطقة تمنح القوات الإسرائيلية قدرة أسهل على التقدم والسيطرة النارية، كما أن القرب من نهر الليطاني ومنطقة الخيام يسمح بالتحكم بالمناطق المرتفعة الحاكمة. وأشار إلى أن المواقع التي يسيطر عليها الاحتلال، مثل اللبونة ورأس الناقورة وعيتا الشعب، توفّر نقاط مراقبة وإطلاق نار استراتيجية، إضافة إلى الدعم الذي يوفره جبل الشيخ وقواعد الإنذار المبكر في عمليات الرصد والمراقبة.
أهداف مرحلية تتجاوز التوغل المحدود
وبحسب أبو زيد، فإن التوغل الحالي لا يرقى إلى اجتياح شامل، بل يهدف إلى توسيع نطاق السيطرة لمسافة تتراوح بين 5 و6 كيلومترات، تمهيداً لمرحلة ثانية قد تتصل بمحاولة فرض واقع جديد يتعلق بسلاح حزب الله شمال نهر الليطاني.
رد حزب الله وتصعيد متبادل
في المقابل، أعلن حزب الله قصف ثلاث قواعد عسكرية في شمال إسرائيل والجولان السوري المحتل باستخدام صواريخ وطائرات مسيّرة، مؤكداً أن عملياته تأتي رداً على العدوان الإسرائيلي وفي إطار “الدفاع عن الأرض والشعب”.
وكان جيش الاحتلال قد أعلن إطلاق “معركة هجومية” عقب إعلان حزب الله استهداف موقع عسكري شمالي إسرائيل، ونفذ الطيران الإسرائيلي غارات مكثفة على الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق في جنوب لبنان. كما صرّح وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بأنه صادق على تمكين الجيش من التقدم والسيطرة على مناطق استراتيجية إضافية داخل لبنان.
بين الأمن والتوسّع
يعكس اختيار “إصبع الجليل” للتوغل البري توجهاً إسرائيلياً لفرض واقع ميداني جديد مستفيداً من التفوق الجوي والاستخباري، وهو ما يثير مخاوف من انزلاق الأوضاع إلى مواجهة أوسع، خصوصاً مع تزايد عمليات الإخلاء والتصعيد المتبادل.
ورغم تبرير الخطوة باعتبارات أمنية، يرى مراقبون أن التقدم داخل الأراضي اللبنانية يتجاوز منطق الرد التكتيكي، ليقترب من إعادة رسم خطوط اشتباك جديدة قد تعمّق حالة عدم الاستقرار في المنطقة.