توسّع نطاق التوتر الإقليمي، السبت 28 شباط، مع انطلاق ضربات عسكرية مشتركة شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل على أهداف داخل إيران، طالت مواقع في طهران ومدن أخرى. ومع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب بدء “عمليات قتالية كبيرة” بهدف تحييد ما وصفه بالتهديدات الوشيكة ومنع إيران من امتلاك سلاح نووي، دخلت المنطقة مرحلة جديدة من التصعيد المفتوح.
في المقابل، أطلق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على العملية اسم “زئير الأسد”، واعتبرها أوسع وأشد من العمليات السابقة. وردّت طهران سريعاً بإعلان “الحرس الثوري” بدء موجة أولى من هجمات صاروخية واسعة باتجاه إسرائيل، مستخدمة عشرات الصواريخ الباليستية.
الجنوب السوري تحت النار
لم تبقَ تداعيات المواجهة محصورة بين أطرافها المباشرين. ففي الجنوب السوري، سُجّلت حوادث سقوط شظايا وصواريخ اعتراضية نتيجة اعتراض الدفاعات الجوية الإسرائيلية للصواريخ الإيرانية التي عبرت الأجواء السورية.
في محافظة السويداء، قُتل شخصان إثر سقوط أجزاء من صاروخ في المنطقة الصناعية داخل المدينة، الحادثة شكّلت أول حصيلة بشرية مباشرة داخل الأراضي السورية منذ بدء الضربات المتبادلة، ما أثار مخاوف من اتساع رقعة الأضرار غير المقصودة.
وفي ريف درعا، سقط حطام صاروخ في الأراضي الزراعية بمنطقة إنخل بعد اعتراضه، من دون تسجيل خسائر بشرية أو مادية. إلا أن أصوات الانفجارات استمرت لساعات في غرب المحافظة، بالتزامن مع تحليق مكثف للطيران الحربي والمسيّرات منذ الفجر.
أما في ريف القنيطرة الجنوبي، فسقط صاروخ في أراضٍ زراعية بين قريتي غدير البستان والحيران، من دون إصابات. وفي دمشق وريفها، رُصد تحليق طيران حربي يُرجّح أنه إسرائيلي، في محاولة لاعتراض الصواريخ الإيرانية قبل وصولها إلى أهدافها.
هذه التطورات تعكس هشاشة المجال الجوي السوري، الذي بات عملياً ساحة عبور واعتراض للصواريخ، ما يعرّض مناطق واسعة لمخاطر الشظايا والحطام، حتى في حال عدم وجود استهداف مباشر.
تحذيرات رسمية ودعوات للالتزام بالإرشادات
في ضوء هذه المستجدات، أصدر الدفاع المدني السوري تحذيراً أمنياً دعا فيه المدنيين إلى الالتزام بإرشادات السلامة العامة تحسباً لأي طارئ. كما دعت دائرة الإنذار المبكر والتأهب في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث إلى:
عدم الاقتراب من أي جسم غريب أو حطام ساقط.
الاحتماء داخل المباني عند سماع أصوات انفجارات.
الابتعاد عن النوافذ والأسطح المكشوفة.
عدم التجمهر في أماكن سقوط الحطام.
الإبلاغ الفوري عن أي حريق أو جسم مشبوه للجهات المختصة.
هذه الإجراءات الاحترازية تعكس قلقاً رسمياً من احتمال تكرار حوادث سقوط الشظايا، خصوصاً مع استمرار تبادل الضربات واتساع نطاقها الجغرافي.
خلو الأجواء من الطيران المدني
على صعيد الملاحة الجوية، رُصد خلو شبه تام للأجواء السورية والعراقية والإيرانية من حركة الطيران، وفق تتبع موقع Flightradar24، في مؤشر واضح على خطورة الوضع الأمني.
وأعلنت هيئة الطيران المدني السورية إغلاق الممرات الجوية الجنوبية مؤقتاً أمام حركة الطيران، ابتداءً من الساعة 12:00 ظهراً ولمدة 12 ساعة، بهدف ضمان أعلى معايير السلامة الجوية. وأوضحت أن حركة الملاحة ستُدار عبر مسارات بديلة معتمدة، بما يضمن استمرارية العمليات التشغيلية وفق الأنظمة الدولية.
إغلاق الأجواء لا يعكس فقط خشية من سقوط صواريخ أو شظايا، بل أيضاً احتمال توسع العمليات العسكرية لتشمل ضربات إضافية في المجال السوري، سواء لاعتراض الصواريخ أو لاستهداف مواقع يُشتبه باستخدامها في الدعم اللوجستي.
سوريا بين الجغرافيا والسياسة
تضع هذه التطورات سوريا في موقع بالغ الحساسية. فمن جهة، أراضيها تُستخدم ممراً جوياً للصواريخ الإيرانية باتجاه إسرائيل، ما يدفع الأخيرة إلى تكثيف عمليات الاعتراض فوقها. ومن جهة أخرى، لا تبدو دمشق راغبة في الانخراط المباشر في مواجهة مفتوحة، في ظل أوضاع اقتصادية وأمنية داخلية معقدة.
الخطر الأكبر لا يكمن فقط في الضربات المباشرة، بل في “الأضرار الجانبية” الناتجة عن اعتراض الصواريخ، والتي قد تتكرر مع كل موجة هجومية جديدة. ومع استمرار العمليات القتالية، يصبح احتمال سقوط ضحايا مدنيين أمراً وارداً، حتى من دون استهداف متعمد.
تصعيد مفتوح على الاحتمالات
إقليمياً، أعلنت إسرائيل إغلاق مجالها الجوي وإغلاق المدارس وإعلان حالة الطوارئ مع دوي صفارات الإنذار في عدة مدن. وفي المقابل، أكدت طهران استمرار عملياتها الصاروخية رداً على الهجوم.
المشهد الحالي يوحي بأن المنطقة دخلت مرحلة تصعيد يصعب التنبؤ بمدته أو حدوده. وإذا استمرت الضربات المتبادلة بوتيرتها الحالية، فإن سوريا ستبقى عرضة لتداعيات ميدانية مباشرة بحكم موقعها الجغرافي.
الرسالة الأوضح حتى الآن أن الصراع لم يعد محصوراً بين دولتين، بل بات يمس المجال الحيوي لعدة دول في المنطقة. ومع كل موجة صاروخية جديدة، يتجدد القلق في المدن والبلدات السورية من سقوط شظايا أو حطام قد يحول مناطق مدنية إلى ضحايا حرب لا يد لهم فيها.
في ظل هذا الواقع، تبدو الأولوية العاجلة للسلطات السورية هي تقليل الخسائر المدنية عبر التوعية والجاهزية، فيما يبقى المسار السياسي والعسكري للصراع مفتوحاً على سيناريوهات متعددة، قد تعيد رسم خرائط النفوذ والتوازن في المنطقة بأكملها.