عاش لبنان يوماً استثنائياً من الترقب والحذر مع انطلاق العملية العسكرية المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، وما رافقها من إعلان عن مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي. الحدث الإقليمي الضخم انعكس فوراً على الداخل اللبناني، حيث تحوّلت الأنظار إلى احتمال انخراط “حزب الله” في المواجهة، وما قد يستجلبه ذلك من تداعيات خطيرة على البلاد.
منذ ساعات الفجر الأولى، سبقت غارات إسرائيلية على الجنوب والبقاع الغربي بقليل ساعة الصفر لبدء الحرب. إلا أن اليوم الأول لم يشهد توسعاً عسكرياً مباشراً وشاملاً داخل لبنان، رغم أن مستوى القلق بقي مرتفعاً. فلبنان، بحكم موقعه الجغرافي وتشابك ملفاته مع الصراع الإيراني – الإسرائيلي، يُعتبر ساحة محتملة لأي تصعيد.
في هذا السياق، برز تطور لافت تمثّل في إعلان رئيس الجمهورية جوزف عون تلقيه رسالة عبر السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى، تفيد بأن الجانب الإسرائيلي ليس في وارد التصعيد ضد لبنان، ما دامت لا تصدر أعمال عدائية من الجهة اللبنانية. هذه الرسالة وُصفت بأنها عامل تهدئة نسبي، لكنها لا تشكّل ضمانة كاملة في ظل مسار حرب مفتوحة على احتمالات متعددة.
مصادر متابعة رأت أن الرسالة الأميركية تحمل طابعاً تحذيرياً بقدر ما هي تطميني، إذ تربط بوضوح بين بقاء لبنان خارج دائرة الاستهداف وبين التزامه الحياد الفعلي. وأشارت إلى أن الدولة اللبنانية كثّفت اتصالاتها مع قيادات “حزب الله” لوضعهم أمام خطورة المرحلة، خصوصاً أن أي قرار بالدخول في المعركة قد يجر البلاد إلى مواجهة واسعة النطاق.
في المقابل، ألغى الأمين العام لـ“حزب الله” نعيم قاسم كلمة كانت مقررة في بعلبك، واكتفى الحزب ببيان تضامني مع إيران. البيان أدان الهجوم الأميركي – الإسرائيلي، وأعلن تضامناً كاملاً مع طهران، من دون أن يتضمن إعلاناً صريحاً عن نية التدخل الميداني. صياغته الهادئة نسبياً فُسّرت على أنها مؤشر إلى أن الحزب لا يزال في مرحلة ترقّب وتقييم.
معطيات متضاربة تحدثت عن موقف حازم أبلغته رئاسة الجمهورية إلى الحزب، يؤكد رفض توريط لبنان في الحرب. كما أشارت معلومات أخرى إلى أن رئيس مجلس النواب نقل تطمينات تفيد بأن الحزب ليس في وارد الانخراط حالياً. غير أن هذه المعطيات تبقى رهناً بتطورات الميدان، لا سيما بعد إعلان مقتل خامنئي، وما قد يترتب عليه من تحولات داخل إيران نفسها.
مصدر مطّلع على أجواء الحزب أشار إلى أن القيادة تعتمد “سياسة الغموض البنّاء”، وترفض كشف أوراقها مسبقاً. وأوضح أن الحزب لا يرى نفسه ملزماً بتقديم تطمينات لإسرائيل أو للولايات المتحدة، لكنه في الوقت نفسه يدرك أن أي مواجهة واسعة في المنطقة ستنعكس حكماً على لبنان، سواء مباشرة أو عبر تداعيات أمنية واقتصادية.
وبحسب المصدر، فإن مسألة اغتيال خامنئي تُعد نقطة مفصلية، ليس فقط من زاوية سياسية، بل أيضاً من حيث رمزيته الدينية لدى شريحة واسعة من مؤيدي إيران في المنطقة. أي تطورات إضافية مرتبطة بهذا الملف قد تؤثر على حسابات القوى المنخرطة في الصراع.
على المستوى الرسمي، شهد قصر بعبدا سلسلة اتصالات مكثفة أجراها الرئيس عون، شملت رئيس الحكومة نواف سلام، ورئيس مجلس النواب، ووزراء معنيين، إضافة إلى قائد الجيش. وشدد عون على ضرورة التحلي بأعلى درجات الجهوزية والتنسيق بين السلطات الدستورية والأجهزة الأمنية، مؤكداً أن أولوية الدولة هي حماية لبنان وتحييده عن أهوال الصراعات الخارجية.
من جهته، دعا سلام اللبنانيين إلى التحلي بالحكمة والوطنية، مؤكداً أن الحكومة لن تقبل بإدخال البلاد في مغامرات تهدد أمنها ووحدتها. كما أجرى اتصالات مع عدد من العواصم العربية لتأكيد التضامن، في موازاة مساعٍ دبلوماسية لتأمين مظلة دولية تحمي الاستقرار الداخلي.
إجرائياً، رفع الجيش اللبناني مستوى التأهب في الجنوب وعلى طول الحدود، وفعّل بالتنسيق مع قوات الطوارئ الدولية دورياته وانتشاره في مناطق شمال وجنوب الليطاني. الهدف المعلن هو منع استخدام الأراضي اللبنانية منصة لإطلاق الصواريخ أو لتبادل الرسائل العسكرية. كما اتخذت القوى الأمنية تدابير مشددة في محيط بعض السفارات والمنشآت الحساسة، في إطار إجراءات وقائية لا تعني بالضرورة وجود تهديد مباشر، لكنها تعكس حساسية المرحلة.
في موازاة ذلك، حثّت السفارة الأميركية مواطنيها على مغادرة لبنان ما دامت الخيارات التجارية متاحة، وعدم السفر إليه. هذا الإجراء عزز منسوب القلق الشعبي، وأعاد إلى الأذهان تجارب سابقة شهد فيها لبنان تصعيداً سريعاً بعد مؤشرات أولية مشابهة.
على الضفة الأخرى، عاود الجيش الإسرائيلي التلويح بإمكان انخراط “حزب الله” في القتال، محذراً من أن أي خطوة من هذا النوع ستُقابل برد قوي. هذه الرسائل المتبادلة تضع لبنان في موقع شديد الحساسية، حيث يكفي خطأ حسابي واحد لإشعال جبهة جديدة.
خلاصة المشهد أن لبنان نجح في اليوم الأول من الحرب في المرور بسلام نسبي، لكن ذلك لا يعني أن الخطر تراجع. فالصراع الدائر أكبر من أن يُحسم في ساعات، ومساره مرتبط بتطورات داخل إيران نفسها بعد إعلان مقتل خامنئي، وبحسابات إقليمية ودولية معقدة.
في ظل هذه المعطيات، يبقى التحدي الأساسي أمام الدولة اللبنانية هو الحفاظ على تماسك الموقف الداخلي، ومنع الانجرار إلى مواجهة لا يملك البلد المقومات لتحمّل تبعاتها. الأيام المقبلة ستكون اختباراً حقيقياً لقدرة المؤسسات على ضبط الإيقاع، ولقدرة القوى السياسية على تغليب منطق الاستقرار على منطق الاشتباك.