الغلاء يضرب جيوب اللبنانيين برمضان

2026.02.28 - 09:59
Facebook Share
طباعة

 دخل اللبنانيون شهر رمضان هذا العام وسط موجة غلاء جديدة تضرب الأسواق، رغم تأكيدات وزارة الاقتصاد والتجارة على استمرار الرقابة ومنع أي استغلال. ومع مرور أيام الشهر الكريم، تتضاعف الضغوط المعيشية على الأسر التي تواجه أساسًا تراجعًا حادًا في القدرة الشرائية وارتفاعًا مستمرًا في كلفة المعيشة.

وقد سجل المواطنون ارتفاعًا في أسعار المواد الغذائية الأساسية والسلع الاستهلاكية اليومية، ما أثار استياء واسعًا، خاصة أن هذه الزيادات تأتي في فترة يزداد فيها الطلب على المواد الغذائية.

في هذا السياق، أقرّ مجلس الوزراء زيادة الضريبة على القيمة المضافة (TVA) بنسبة 1%، إلى جانب رسوم إضافية على المحروقات، بهدف تمويل زيادات رواتب القطاع العام وتحسين أوضاع العاملين في الدولة.

إلا أن هذه الزيادة لم تدخل حيّز التنفيذ بعد، إذ تتطلب موافقة مجلس النواب ونشرها رسميًا، ورغم ذلك، شرعت بعض المحال التجارية برفع الأسعار استباقيًا، ما أثار تساؤلات حول قانونية هذه الزيادات وتوقيتها.

الأسعار ترتفع قبل التنفيذ: تسعير وقائي أم استغلال؟

بدأت بعض المتاجر بتعديل أسعارها بشكل استباقي، تحسبًا لارتفاع الكلفة المستقبلية، في ما يُعرف بـ"التسعير الوقائي"، وهو سلوك شائع في الاقتصادات غير المستقرة. ويربط خبراء هذا التوجه بعدة عوامل، أبرزها الخوف من تقلبات الأسعار، توقع ارتفاع كلفة الاستيراد والشحن، زيادة أسعار المحروقات والنقل، ومحاولة حماية هامش الربح في ظل عدم الاستقرار الاقتصادي.

وفي المقابل، ترى جمعيات حماية المستهلك أن جزءًا من هذه الزيادات يتجاوز الأثر الفعلي لأي ضريبة محتملة، ما يضعها في إطار الاستغلال التجاري.

الاقتصاد الاستيرادي يضاعف أثر أي زيادة

يعتمد لبنان بدرجة كبيرة على الاستيراد لتأمين السلع الأساسية والمواد الأولية، ما يجعل أي تعديل ضريبي ينعكس على سلسلة التوريد بالكامل، من الشحن والتخزين إلى التوزيع والبيع بالتجزئة. ومع ارتفاع تكاليف الطاقة والتشغيل، تتحول أي زيادة ضريبية محدودة إلى زيادات مركبة قد تتجاوز نسبتها الفعلية.

كما تواجه المؤسسات التجارية تكاليف مرتفعة للكهرباء والمولدات الخاصة، إضافة إلى ارتفاع تكاليف النقل، ما يدفعها إلى إعادة احتساب الأسعار بشكل مستمر، وهو ما ينعكس مباشرة على جيوب المستهلكين.

المحروقات والنقل: عامل حاسم في الأسعار

تشكل كلفة النقل أحد أبرز العوامل المؤثرة في أسعار السلع. مع أي ارتفاع في أسعار البنزين أو المازوت، ترتفع كلفة نقل المنتجات من المرافئ إلى الأسواق، ثم إلى نقاط البيع. ويؤكد اقتصاديون أن أي زيادة في المحروقات تترجم مباشرة إلى ارتفاع أسعار الغذاء والسلع الاستهلاكية، نظرًا لاعتماد السوق اللبنانية على النقل البري.

الضريبة على الاستهلاك وأثرها على ذوي الدخل المحدود

تُعد الضريبة على القيمة المضافة من الضرائب غير المباشرة التي تطال الاستهلاك، ما يعني أن تأثيرها يشمل جميع المواطنين، لكنه يكون أشد على الأسر محدودة الدخل، التي تنفق نسبة أكبر من دخلها على الاحتياجات الأساسية.

ورغم أن الجهات الرسمية تشير إلى أن العديد من السلع الأساسية معفاة من الـTVA للحد من تأثيرها على الفئات الأكثر هشاشة، إلا أن الأعباء المعيشية تبقى كبيرة.

الرقابة الرسمية مقابل الواقع الميداني

أكدت وزارة الاقتصاد والتجارة تكثيف الجولات الرقابية في الأسواق، مشددة على مساءلة أي جهة ترفع الأسعار بلا مبرر. ودعت المواطنين إلى الإبلاغ عن المخالفات، مع ضرورة التزام التسعير الواضح وإظهار الفواتير التي تبرر أي تعديل.

ومع ذلك، يرى المواطنون أن ضبط الأسواق يتطلب رقابة مستمرة وشفافية أكبر لضمان عدم استغلال المستهلك، في حين حذّرت نقابات وهيئات عمالية وجمعيات حماية المستهلك من تحميل المواطنين أعباء إضافية بدل معالجة الهدر وتحسين الجباية ومكافحة التهرب الضريبي.

ويرى اقتصاديون أن تحسين تحصيل الضرائب القائمة قد يوفر إيرادات كبيرة من دون زيادة الأعباء على المواطنين.

رمضان والطلب المرتفع يزيد حساسية الأسعار

يشهد شهر رمضان عادة ارتفاعًا في الطلب على المواد الغذائية، ما يجعل السوق أكثر حساسية لأي زيادة في الأسعار. ويؤكد كثيرون أن الغلاء يزيد الضغوط على الأسر محدودة الدخل، مع ارتفاع الاعتماد على المساعدات والمبادرات الخيرية، وتراجع القدرة على تأمين الاحتياجات الرمضانية الأساسية.

كما يعكس ارتفاع الأسعار خلال الشهر الكريم بعدًا اجتماعيًا حساسًا، إذ ترتبط موائد رمضان بالعادات والتقاليد والتكافل الاجتماعي.

أزمة الثقة تعمّق الفجوة بين المواطن والسوق

تعكس موجة الغلاء الحالية أزمة ثقة بين التاجر والدولة والمستهلك. فالتاجر يسعّر وفق توقعات المخاطر، والدولة تسعى لزيادة الإيرادات، بينما يتحمل المواطن الكلفة فورًا دون ضمانات. هذا الواقع يعكس خللاً بنيويًا في إدارة السوق وآليات التسعير، حيث تنتقل الأعباء المالية بسرعة إلى المستهلك.

حلول مقترحة لضبط الأسعار

يرى خبراء أن ضبط الأسعار يتطلب سياسات اقتصادية شاملة وليس رقابة ظرفية فقط، تشمل:

تعزيز الإنتاج المحلي لتقليل الاعتماد على الاستيراد.

تحسين المنافسة ومنع الاحتكار.

فرض شفافية التسعير وإظهار الفواتير.

تشديد العقوبات على المخالفين.

تحقيق استقرار نقدي ومالي مستدام.

فالاستقرار الاقتصادي يبقى العامل الأساسي لضبط الأسعار على المدى الطويل.

دخل اللبنانيون شهر رمضان وسط ضغوط اقتصادية متزايدة، حيث تتسارع موجات الغلاء حتى قبل دخول الإجراءات المالية حيّز التنفيذ. وبين التبريرات الحكومية، ومخاوف التجار، والواقع الاقتصادي الصعب، يبقى المواطن الحلقة الأضعف: أسعار ترتفع، دخل يتآكل، ومخاوف معيشية تتفاقم. وفي ظل غياب إصلاحات اقتصادية جذرية، تحول شهر التضامن والرحمة هذا العام إلى شهر قلق اقتصادي إضافي للأسر اللبنانية.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 5 + 6