إجماع دولي يطوي صفحة العقوبات على هيئة تحرير الشام

2026.02.28 - 08:45
Facebook Share
طباعة

 في خطوة وُصفت بالمفصلية، أقرّ مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بالإجماع رفع اسم “هيئة تحرير الشام” في سوريا من قائمة العقوبات الدولية، ما يعني إلغاء تجميد الأصول وحظر السفر ومنع حيازة السلاح الذي كان مفروضاً عليها بموجب قرارات سابقة.

القرار صدر عبر لجنة العقوبات المختصة، ويدخل حيّز التنفيذ فور اعتماده، من دون الحاجة إلى إجراءات إضافية أو مهلة زمنية للتطبيق. ويعدّ هذا التطور تحولاً بارزاً في التعاطي الدولي مع أحد أبرز الفاعلين الذين برزوا خلال سنوات النزاع السوري.

“هيئة تحرير الشام” تشكّلت بدايةً تحت اسم “جبهة النصرة” إبان الثورة السورية ضد نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، وكانت قد أُدرجت سابقاً على لوائح العقوبات الأممية باعتبارها كياناً مرتبطاً بتنظيم القاعدة. كما صنّفتها الولايات المتحدة في مرحلة سابقة “منظمة إرهابية أجنبية”، قبل أن تتبدل المقاربة تدريجياً مع تغيّر المشهد السياسي والأمني في سوريا.

مصادر دبلوماسية أشارت إلى أن القرار يعكس قراءة دولية جديدة للواقع السوري بعد التحولات التي شهدتها البلاد عقب سقوط النظام في ديسمبر/كانون الأول 2024. فمع إعلان الحكومة السورية حلّ الفصائل المسلحة ودمج بعضها في مؤسسات رسمية، بما في ذلك عناصر من “هيئة تحرير الشام” ضمن أجهزة أمنية ناشئة مثل جهاز الشرطة الجديد، برزت مقاربة تقوم على إعادة إدماج القوى المحلية في بنية الدولة بدل إبقائها في خانة المواجهة المفتوحة.

الإعلام الرسمي السوري اعتبر أن الخطوة تأتي في إطار مواكبة الأمم المتحدة للتطورات الجارية على الأرض، ورأى فيها مؤشراً إلى إجماع دولي على دعم مسار الاستقرار وإزالة العقبات التي تعترض إعادة بناء الدولة، وفي مقدمتها العقوبات الدولية. ووفق التقديرات المتداولة، قد تعقب هذا القرار جلسات أخرى لمجلس الأمن لبحث ملفات مرتبطة بسوريا، من بينها مسألة إدراجها على قوائم الدول الراعية للإرهاب.

التحول الأممي لم يكن مفاجئاً بالكامل، إذ سبقه شطب اسم الرئيس السوري الحالي أحمد الشرع من قائمة عقوبات الأمم المتحدة في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، بموجب قرار تبناه مجلس الأمن. كما أعلنت الإدارة الأمريكية في يوليو/تموز 2025 إلغاء تصنيف “هيئة تحرير الشام” منظمة إرهابية أجنبية، بعد توقيع الرئيس الأمريكي أمراً تنفيذياً ينهي العقوبات المفروضة على سوريا.

على الصعيد القانوني، يعني رفع العقوبات تحرير الأصول المالية المجمدة والسماح بالتنقل الدولي ورفع القيود المتعلقة بالسلاح. غير أن مراقبين يشيرون إلى أن التطبيق العملي سيظل مرهوناً بالتزامات الحكومة السورية الجديدة وتعهداتها في ما يتعلق بمحاربة التطرف وضبط السلاح خارج مؤسسات الدولة.

سياسياً، يفتح القرار الباب أمام إعادة ترتيب المشهد الداخلي. فالقوى التي كانت تعمل تحت مسميات فصائلية باتت مدعوة إلى الانخراط الكامل في مؤسسات الدولة، في حين تنتظر الحكومة السورية دعماً اقتصادياً وإعادة انفتاح دولي يساعدانها على تجاوز سنوات العزلة والعقوبات.

اقتصادياً، يُنظر إلى رفع العقوبات كإشارة إيجابية قد تشجع على عودة بعض الاستثمارات وتسهيل التحويلات المالية، وهو ما تحتاجه البلاد بشدة بعد سنوات من الحرب والانكماش الحاد. إلا أن خبراء يحذرون من أن التعافي لن يكون سريعاً، وأن بناء الثقة مع المجتمع الدولي يتطلب خطوات إصلاحية واضحة وشفافة.

في المقابل، تثار تساؤلات حول الضمانات التي قُدمت للمجتمع الدولي مقابل هذا التحول، وحول آليات الرقابة والمتابعة خلال المرحلة المقبلة. فمجلس الأمن عادة ما يربط قراراته بتقارير دورية تقيّم مدى الالتزام بالمعايير الدولية، خصوصاً في الملفات ذات الحساسية الأمنية.

وسط هذه التطورات، تبدو سوريا أمام مرحلة جديدة عنوانها إعادة التموضع الدولي. فبعد أعوام من الإدراج على قوائم العقوبات والعزلة السياسية، يأتي القرار الأممي ليعكس تغيراً في ميزان المقاربات، من سياسة الاحتواء والعقوبات إلى اختبار مسار الاندماج وإعادة البناء.

ومع أن الطريق لا يزال طويلاً أمام استقرار مستدام، فإن رفع العقوبات عن “هيئة تحرير الشام” يمثل إشارة قوية إلى أن المجتمع الدولي بات يتعامل مع الواقع السوري بمعايير مختلفة عمّا كان عليه خلال ذروة الصراع. المرحلة المقبلة ستكشف ما إذا كان هذا التحول سيترجم إلى استقرار فعلي وانفتاح اقتصادي، أم سيبقى خطوة سياسية تحتاج إلى ترسيخ عملي على الأرض.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 1