سوريا الجديدة تكتب دراما بلا قيود

2026.02.26 - 09:00
Facebook Share
طباعة

 في أواسط كانون الأول/ديسمبر 2024، لم تكن دمشق تستعيد حركتها اليومية فحسب، بل كانت تطوي صفحة كاملة من تاريخها. بعد أيام من التحرير الذي أطاح بنظام الرئيس المخلوع بشار الأسد وحرر البلاد من حكم عائلي دام نحو ستة عقود، بدت العاصمة على مفترق طرق، حيث لم يتغير المشهد السياسي فحسب، بل امتد التحول إلى البنية الثقافية والاجتماعية، وكان للدراما التلفزيونية النصيب الأكبر من هذا التحوّل.

الدراما السورية، التي لطالما شكّلت واجهة حضارية ومرآة المجتمع، شهدت مرحلة من الانحصار والرقابة الصارمة قبل التحرير. الممثل ونقيب الفنانين السوريين، مازن الناطور، يصف تلك المرحلة بالقول: "أصدق تشبيه للدراما قبل وبعد التحرير أنها كانت كسد يحتجز المياه، يسمح بمرور دفقات قليلة من الأفكار، بينما الانفجار الذي أعقب التحرير أشبه بانهيار السد، فصار هناك تدفق هائل للأفكار في مساحات خصبة من الأرضية الدرامية".

ويضيف الناطور أن هذا التدفق لم ينتج كمًا هائلًا من الأعمال الدرامية فحسب، بل أتاح مساحة واسعة لتجريب الموضوعات الجديدة ضمن حدود تمنع التحريض أو الإضرار بالسلم الأهلي. "لكن التدفق نفسه، إن لم يتم ضبطه وترشيده، قد يترك أثرًا سلبيًا"، يوضح الناطور.

الدراما قبل الثورة

الحديث عن الدراما السورية يقودنا بالضرورة إلى مرحلة ما بعد اندلاع الثورة في آذار/مارس 2011. حينها حاول بعض المنتجين تقديم أعمال "تهدئة" أو "مصالحة درامية" تهدف لتخفيف الاحتقان، بينما اختار آخرون الابتعاد عن السياسة نهائيًا، ما أدى إلى شح الإنتاج الذي يعكس الواقع السوري.

في المقابل، عملت أجهزة النظام على إنتاج مسلسلات تظهر الحياة في دمشق بشكل مثالي، مع صور مزيفة عن مواجهة "الإرهاب" وبطولات ضباطه. أعمال مثل "لأنها بلادي"، "تحت سماء الوطن"، و"كونتاك"، بالإضافة إلى بعض حلقات "بقعة ضوء" ومسلسل "بلا غمد"، كانت أدوات لتسويق رواية النظام، بحسب الناطور: "الدراما قبل التحرير كانت مطيّة لخدمة النظام، حتى الأعمال التي ادعت النقد كانت في واقعها تدعم السلطة".

التحوّل بعد سقوط الأسد

مع سقوط النظام، تغيّرت العلاقة بين الدراما والسلطة، كما يشير رئيس اللجنة الوطنية للدراما، مروان الحسين: "التغيير لم يكن شكليًا، بل مسّ البنية نفسها وآليات العمل".

على مستوى الموضوعات، بات بالإمكان تناول الملفات المغلقة سابقًا مثل الاعتقالات، بنية الأجهزة الأمنية، الفساد، العدالة، والانقسامات الاجتماعية بشكل مباشر. "لم يعد السؤال: هل يمكن طرحه؟ بل: كيف يُطرح؟"، يوضح الحسين.

أما الخطوط الحمراء، فانتقلت من حماية النظام إلى حماية المجتمع، عبر منع التحريض الطائفي أو المناطقي، ومنع تحويل الألم إلى مادة تعبئة سياسية. وبدل الرقابة الصارمة المسبقة، أصبح التعامل مع النصوص مبنيًا على الحوار والتعديل، ما أسهم في خلق بيئة أكثر مرونة للإنتاج الفني.

آثار التحرير على صناع الدراما

التحرر أتاح للممثلين والشخصيات الفنية مساحة للتعبير، ما أزال حالة الاصطفاف القسري والصمت الحذر. هذا الانفتاح النفسي ترافق مع ارتفاع سقف الجرأة، ما جعل مشاريع مؤجلة قابلة للتنفيذ، وفتح الباب أمام تجارب درامية جديدة على مستوى الموضوع والطرح.

كما انعكس التحرير على البيئة الإنتاجية، مع عودة شركات إنتاج، ودعم حكومي واضح، وتسهيل عمليات التصوير والموافقات، وتحسين الإجراءات اللوجستية، رغم استمرار تحديات مالية وإدارية تحتاج لوقت ومراكمة.

مواضيع الأعمال بعد التحرير

الدراما السورية الجديدة لم تتردد في معالجة قضايا حساسة كانت محرّمة في عهد الأسد. أعمال مثل "الخروج إلى البئر" و"السوريون الأعداء" تناولت الاعتقالات ومجازر حماة، بينما أتاح مسلسل "ما اختلفنا" مساحة للنقاش المجتمعي، رغم المخاوف السابقة من الرقابة.

في المقابل، بعض الأعمال وقعت في مطب المباشرة الزائدة، كما حدث في مسلسل "قيصر: لا مكان لا زمان"، الذي أثار جدلًا واسعًا بسبب تناول قضية المعتقلين والمفقودين، مع مطالب بإيقاف عرضه ورفع دعاوى قضائية من عائلات الضحايا.

مستقبل الدراما السورية

المستقبل يبدو واعدًا، مع إمكانية دمج الإنتاج المحلي مع السوق العربية، مع الحفاظ على الهوية السورية والاهتمام بقضايا المجتمع، بعيدًا عن خطاب التمجيد الأحادي أو التحريض الطائفي. الدعم العربي، كما ظهر في لقاء رئيس هيئة الترفيه السعودي مع صناع الدراما، يفتح آفاقًا لتطوير السوق الإعلامي الوطني وضمان تنافسية الأعمال السورية على المستوى الإقليمي.

رغم أن الانتعاشة لا تعني دراما مثالية، فهي أزالت طبقة الخوف، وفتحت الباب لمرحلة انتقالية تعيد صياغة العلاقة بين الفن والمجتمع، بما يوازن بين حرية واسعة ومعالجة مسؤولة وهوية واضحة، ما يمثل بداية جديدة للدراما السورية بعد عقود من الرقابة والسيطرة.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 5 + 10