شهدت مدينة القامشلي، الأربعاء، تظاهرة شارك فيها المئات من ذوي المفقودين والأسرى من عناصر قوات سوريا الديمقراطية، مطالبين بكشف مصير أبنائهم والإفراج عنهم، في تحرك يعكس تصاعد حالة القلق والغضب بين العائلات بعد أسابيع من الغموض حول أوضاع أبنائهم.
وتجمع المحتجون في أحد ميادين المدينة، رافعين صور أبنائهم ولافتات تدعو إلى الإسراع في معالجة ملف الأسرى، كما ناشدوا الأمم المتحدة والحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية التدخل لتحريك هذا الملف وإنهاء معاناة العائلات التي تقول إنها تعيش على وقع الانتظار والقلق منذ أشهر.
وركزت الهتافات والكلمات التي ألقيت خلال التظاهرة على اتهام الجهات المعنية بالتقاعس عن متابعة ملف الأسرى والمفقودين، خاصة بعد الإعلان سابقاً عن اتفاق لوقف إطلاق النار بين الحكومة السورية و"قسد"، تضمن تفاهمات أوسع حول ترتيبات عسكرية وإدارية في مناطق شمال وشرق سوريا.
سليمان شيخو، وهو والد أحد العناصر المفقودين، قال إن ابنه كان يخدم ضمن قوات الكوماندوز التابعة لـ"قسد" في منطقة دير حافر، مشيراً إلى أنه تواصل معه للمرة الأخيرة صباح السابع عشر من كانون الثاني، قبل أن تصله رسالة تفيد بأسره مع مجموعته. ويؤكد شيخو أن العائلة لم تتلقَّ منذ ذلك الحين أي معلومات رسمية توضح مصيره أو ظروف احتجازه.
ويضيف أن جميع الأطراف تتحمل مسؤولية ما آلت إليه الأمور، مشيراً إلى أن غياب الشفافية زاد من معاناة الأهالي، خصوصاً مع انتشار روايات متباينة حول أعداد الأسرى وطبيعة أوضاعهم.
من جهتها، عبّرت سيدار أحمد، وهي والدة أحد العناصر المفقودين، عن استيائها مما وصفته بالمماطلة في تنفيذ عمليات تبادل الأسرى، رغم الحديث سابقاً عن اقتراب إطلاق سراحهم. وتقول إن حالة الانسحاب غير المنظم من بعض المناطق خلال التطورات الميدانية الأخيرة تسببت بحالة فوضى أدت إلى اعتقال أو مقتل أو اختفاء أعداد كبيرة من المقاتلين.
وتشير أحمد إلى أن عدد العائلات المشاركة في التظاهرة يعكس حجم القضية، مؤكدة أن الأرقام المتداولة سابقاً حول عدد الأسرى لا تتطابق، بحسب رأيها، مع الواقع الذي تعيشه العائلات. كما دعت الولايات المتحدة، بصفتها راعية للتفاهمات المعلنة بين "قسد" والحكومة السورية، إلى ممارسة ضغط أكبر للإسراع في كشف مصير المفقودين.
وتأتي هذه الاحتجاجات في سياق تحولات ميدانية شهدتها مناطق عدة خلال الشهر الماضي، حيث خسرت قوات سوريا الديمقراطية مساحات واسعة في ريف حلب الشرقي والرقة ودير الزور وأجزاء من ريف الحسكة، مع تقدم قوات الحكومة السورية وإحكام سيطرتها على تلك المناطق، مقابل تمركز "قسد" في الحسكة وعين العرب.
وفي أواخر كانون الثاني، أُعلن عن اتفاق شامل لوقف إطلاق النار بين الطرفين، تضمن ترتيبات لدمج قوات "قسد" ضمن هيكلية القوات الحكومية السورية على شكل فرقة مكوّنة من ثلاثة ألوية، إضافة إلى لواء منفصل ضمن فرقة محافظة حلب، إلى جانب انسحاب القوات العسكرية من خطوط التماس ودخول قوى الأمن الداخلي إلى مركزي مدينتي الحسكة والقامشلي.
كما شمل الاتفاق بنوداً تتعلق بدمج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة السورية، وتثبيت الموظفين المدنيين، وتسوية الحقوق المدنية والتربوية للمجتمع الكردي، وضمان عودة النازحين إلى مناطقهم، في إطار خطة أوسع تهدف إلى توحيد المؤسسات وإنفاذ القانون وتعزيز الاستقرار.
غير أن ملف الأسرى والمفقودين يبدو، وفق ما يعبر عنه الأهالي، أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيداً، نظراً لارتباطه المباشر بمصير مئات العائلات. ويؤكد مشاركون في التظاهرة أن مطلبهم الأساسي لا يتجاوز الحصول على معلومات واضحة وموثوقة، سواء بشأن الإفراج عن أبنائهم أو تحديد أماكن احتجازهم أو حتى تأكيد مصيرهم بشكل رسمي.
ويرى مراقبون أن استمرار الغموض حول هذا الملف قد ينعكس سلباً على الثقة بين القواعد الشعبية والقيادات العسكرية والسياسية، خصوصاً في ظل المرحلة الانتقالية التي تمر بها المنطقة بعد الاتفاقات الأخيرة. ويشدد هؤلاء على أن معالجة قضية الأسرى بشفافية وسرعة تمثل خطوة أساسية لترسيخ أي تفاهمات مستقبلية.
وبين صور المفقودين التي ارتفعت في ساحة التظاهر ودموع الأمهات والآباء، بدت القامشلي، الأربعاء، شاهدة على ملف إنساني مفتوح، ينتظر إجابات واضحة وحلولاً عملية، بعيداً عن البيانات السياسية والتصريحات العامة، في وقت تؤكد فيه العائلات أن معركتها اليوم هي معركة معرفة الحقيقة قبل أي شيء آخر.