رمضان السوريين بين الغياب القسري والانتظار

2026.02.26 - 07:50
Facebook Share
طباعة

 في مطبخها الصغير، قبل دقائق من أذان المغرب، تجلس أمّ سورية تُدوّر الكبة بين أصابعها ببطء. لا تنظر كثيرًا حولها. تهمس: “كان يحبها كثيرًا”. لا تذكر اسمه بصوت مرتفع، لكن كل شيء في المكان يردده. على مائدة الإفطار، ما يزال كرسيه محفوظًا كما كان، لا يجلس عليه أحد، كأنه شاهدٌ على انتظارٍ طال.

في كل رمضان، تعود التفاصيل نفسها. طبق يُحضّر كما كان يفضّل، دعاء يُقال في التوقيت ذاته، ومقعد يبقى خاليًا. تقول إن الشهر كان بالنسبة لها موسم رجاء: “كنت أقول ربما يعود في رمضان”. كانت تؤمن أن هذا الوقت، بما يحمله من روحانية، قد يكون بابًا للقاء. لكن هذا العام تغيّر شيء في نبرتها؛ لم تعد تتحدث عن احتمال العودة، بل عن أسئلة أثقل من الاحتمال: أين هو؟ كيف انتهت حكايته؟ ومتى؟

تقول إن الحسم لا يمنح راحة. اليقين، حين يأتي بلا إجابات، يترك جرحًا مفتوحًا. تواصل عملها في المطبخ وكأن الحركة وحدها تضبط ارتجاف القلب. تبدو الأشياء عادية؛ الأطباق مصطفّة، الشوربة على النار، والتمر جاهز. غير أن المكان الشاغر على السفرة يختصر الحكاية.


أمهات على إيقاع الفقد
في مدينة أخرى، تستقبل أمّ ثانية رمضان بذكرى لا تنفصل عن الشهر. تقول إن اعتقال ابنها تزامن مع أيامه الأولى قبل أعوام طويلة، ومنذ ذلك الوقت صار رمضان تقويمًا للغياب. “كان يسألني كل يوم: كم بقي للأذان؟ ماذا أعددتِ لنا؟” تتذكر صوته واضحًا، كأنه ما يزال في البيت.

في ليالي السحور، كانت توقظه بصعوبة. يجلس بنعاسه الطفولي، يتناول ما يحب، ويخطط مع إخوته لإفطار اليوم التالي. تضحك وهي تستعيد كيف كان يفوز برأيه لأنه الأكبر. ثم تصمت. بعد غيابه، تبدّل كل شيء. لم يعد هناك كرسي يحمل حضوره، ولا سرير ترتّبه قبل النوم. حتى الدفتر الذي كانت تكتب له فيه رسائل يومية فُقد مع النزوح والقصف.

تقول إن الذكريات أصبحت تقليدًا يوميًا في رمضان. تتذكر طبقه المفضل وحلوى كان يطلبها دائمًا. تزداد المسافات بين الإخوة الموزعين في مدن وبلدان مختلفة، ويتحوّل البيت إلى خرائط من الفقد. “الفرحة لا تكتمل”، تضيف، خصوصًا في ليلة العيد، حين يشتري الأبناء ملابسهم ويخرجون للصلاة، بينما تبقى صورة الغائب حاضرة في كل خطوة.

كانت تكتب له كأنه سيعود. تخشى أن يأتي يومًا فلا يجدها. ومع مرور السنوات، تسلل اليأس بهدوء، حتى صار يقينًا مُرًّا. ومع ذلك، لا يتوقف صوتها عند الحزن. تطالب بالعدالة، بمحاسبة المسؤولين، وبإنصاف العائلات التي خسرت أبناءها وبيوتها وأعمارها. تقول إن السلام بلا عدالة ناقص، وإن الألم لا يعرفه إلا من عاشه.


قدر الشيشبرك المؤجل
في بيت ثالث، لم يُطهَ طبق الشيشبرك منذ سنوات. كان الابن المعتقل يعشقه، وكانت والدته تعدّه كلما وعد بالقدوم. أقسمت ألا تطهوه إلا عند عودته. صار الطبق رمزًا مؤجلًا، ووعدًا معلّقًا على حافة الأيام.

يصف شقيقه كيف كان ينادي والدته باسمها مازحًا، ويعدها بالإفطار عندها. غيابه ترك فراغًا في التفاصيل اليومية قبل المناسبات الكبرى. رمضان، الذي كان يجمعهم حول مائدة واحدة، صار أكثر صمتًا. كل موسم كان موعدًا للدعاء والرجاء، لكن القدر ظل بلا شيشبرك، وبلا عودة.

الأم تجلس على شرفة الانتظار، تتخيل اللحظة التي يدخل فيها ابنها ويقول إن رائحة الطعام تُشهي. لا تزال تُبقي الدعاء حيًا، كأنها تؤجل الانكسار الأخير. في بيتها، يصبح كل يوم رمضاني شهادة على حب لا يذبل رغم السنوات.


ذاكرة الروائح… أرشيف لا يُمحى
في البيوت التي طالها الغياب، لا تحفظ الذاكرة كل شيء، لكن الروائح تفعل. رائحة طبق يُحضّر قبل الأذان، أو عبق مطبخ امتلأ يومًا بالضحك، يعيد الغائبين دفعة واحدة. قد تبهت الملامح، لكن الرائحة لا تخون.

هذه الحكايات ليست فردية. وفق توثيقات حقوقية متداولة، ما يزال عشرات الآلاف من السوريين في عداد المعتقلين أو المغيبين قسرًا منذ عام 2011. خلف كل رقم، مائدة ناقصة، وكرسي محفوظ، وطبق مؤجل. بين الإحصاء والتفصيل الصغير، يعيش الناس على حافة سؤال لا ينتهي.

رمضان، الذي يُفترض أن يكون موسم اجتماع، صار في بيوت كثيرة موسم اختبار للذاكرة. تختلط الدعوات بالدموع، وتُوزّع الأمهات الحنين كما يوزعن الطعام. ومع ذلك، يبقى في الشهر ما يشبه الوعد: أن العدالة مطلب لا يسقط بالتقادم، وأن الحكايات التي تُروى على موائد الإفطار أقوى من النسيان.

هنا، بين قدرٍ يغلي ومقعدٍ خالٍ، يتشكّل معنى مختلف للصبر. ليس صبرًا ساكنًا، بل صبرٌ يطالب، يتذكّر، ويُبقي الأسماء حيّة. في كل بيت قصة، وفي كل قصة رمضان لا يشبه سواه؛ رمضان يفطر فيه الغياب مع العائلات، لكن الأمل—ولو كان خافتًا—يبقى حاضرًا كضوءٍ صغير في آخر المائدة.

 

تلفزيون سوريا

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 1 + 9