منذ توليه منصب المرشد الأعلى في إيران عام 1989، نجح آية الله علي خامنئي في فرض سيطرته على مؤسسات الجمهورية الإسلامية على الرغم من البداية الضعيفة التي شهدها حكمه، حين كان يُنظر إليه على أنه غير مؤهل لخلافة مؤسس النظام الراحل آية الله روح الله الخميني.
نشرت صحيفة الغارديان تقريراً يشير إلى أن تحولات الداخل الإيراني والأزمات الإقليمية والدولية شكلت الأرضية التي مكّنته من تعزيز نفوذه ليصبح أحد أقوى خمسة شخصيات إيرانية خلال المئة سنة الماضية، وفق تقييم خبراء مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي.
أظهر حكم المرشد الأعلى قدرة فائقة على التكيف مع التحديات، سواء كانت داخلية أو خارجية. فقد واجه احتجاجات واسعة في كانون الثاني/يناير، وأسفرت عن سقوط آلاف القتلى إثر قمع واسع، بينما عانى الاقتصاد من تأثير العقوبات الأميركية والأوروبية. في الوقت نفسه، تعرضت منشآت نووية وصاروخية رئيسية لضربات إسرائيلية وأميركية، ما أضعف نفوذ إيران في المنطقة مع تراجع حلفائها في لبنان وسوريا.
ورغم هذه الضغوط، حافظت القيادة الإيرانية على سياسات ردع واضحة، أبرزها برنامج الصواريخ الباليستية الذي تعتبره البلاد وسيلة الردع الوحيدة المتبقية في مواجهة أي تهديد خارجي. كما أظهرت الأحداث السابقة أن التنازل التكتيكي يتم فقط عند بقاء الجمهورية الإسلامية على المحك، كما حدث مع الاتفاق النووي الإيراني في 2015 أو وقف إطلاق النار بعد الحرب مع العراق عام 1988.
تعتمد السلطة على مؤسسات مختلفة لضمان السيطرة، أبرزها الحرس الثوري الإسلامي وقوات الباسيج شبه العسكرية، التي لعبت دوراً محورياً في قمع الاحتجاجات منذ ثمانينيات القرن الماضي، بما فيها مظاهرات إعادة انتخاب محمود أحمدي نجاد عام 2009 واحتجاجات كانون الثاني الأخيرة بعد وفاة مهسا أميني. إلى جانب ذلك، شكل استحواذ القيادة على المؤسسة المالية شبه الحكومية "ستاد" قاعدة اقتصادية ضخمة دعمتها في مواجهة الضغوط الداخلية والخارجية.
السياسة الإيرانية تحت هذه القيادة تتسم بالتوازن بين المرونة التكتيكية والثبات الأيديولوجي، مع الاعتماد على المفاوضات الطويلة والمراوغات الدبلوماسية لاحتواء الضغوط الخارجية. أبرز مظاهر هذه القوة ظهرت في رفض التخلي عن برنامج الصواريخ رغم العقوبات، مع توظيفه كورقة استراتيجية لمواجهة أي تهديد إسرائيلي أو أميركي محتمل.
من منظور تاريخي، تكشف رحلة المرشد الأعلى كيف تحول من شخصية ضعيفة في بداية حكمه إلى زعيم مطلق السلطة، بعد سنوات من بناء أجهزة أمنية ومؤسسات اقتصادية قوية، واستثمار خبراته في القمع والمناورات السياسية. اليوم، يقف أمام تحديات تشمل الاحتجاجات الشعبية، الضغوط الاقتصادية، والتوترات الإقليمية، لكنه يواصل التأثير على مسار السياسة الإيرانية بشكل مطلق، محافظاً على استمرارية سيطرته منذ أكثر من ثلاثة عقود.