يقف الجيش اللبناني اليوم أمام معادلة أمنية معقّدة، تفرض عليه توزيع جهوده بين جبهات متعددة، في وقت تتزايد فيه التهديدات من أكثر من اتجاه. فمن الجنوب، تستمر الاعتداءات الإسرائيلية بوتيرة متفاوتة، فيما تتنامى على الحدود الشرقية والشمالية مخاوف جدّية من عودة النشاط الإرهابي، خصوصًا مع إعادة تنظيم مجموعات متشددة صفوفها داخل الأراضي السورية.
وبرغم التركيز الدولي المكثّف على انتشار الجيش جنوب نهر الليطاني، لا تزال الحدود البرية مع سوريا تشكّل مصدر القلق الأكبر في الحسابات العسكرية اللبنانية، نظرًا لطبيعتها الجغرافية المعقّدة وطولها، إضافة إلى التشابك العشائري والسياسي الممتد عبر جانبي الحدود. هذه المعابر المفتوحة نسبيًا تحظى بمتابعة استخبارية دقيقة من دول غربية عدّة، في مقدّمها دول تحالف «العيون الخمس»، التي تعتبرها أحد أخطر مسارات التسلّل المحتملة نحو الداخل اللبناني.
مشهد إقليمي ضاغط
تتزامن هذه الهواجس مع حالة عدم الاستقرار المستمرة في سوريا، حيث ما زالت ملفات حسّاسة، مثل السجون والمخيّمات التي تضم عناصر من تنظيم «داعش» في الرقة ودير الزور، بلا حلول نهائية. ويزيد التوتر المستمر بين الحكومة السورية و«قسد» في شرق البلاد من احتمالات الفوضى الأمنية، ما يرفع مستوى المخاطر على الدول المجاورة، وفي مقدّمها لبنان.
هذا الواقع دفع دول الإقليم إلى اعتماد سياسات تحصين حدودية مشدّدة. فالعراق قطع شوطًا كبيرًا في إنشاء جدار حدودي مع سوريا، فيما باشر الأردن بدوره مشروعًا مماثلًا، وواصلت تركيا استكمال الجدار الفاصل الذي تعمل عليه منذ أكثر من عقد. في المقابل، يقف لبنان أمام واقع مختلف، إذ لا تسمح أوضاعه المالية ولا إمكاناته اللوجستية بتطبيق نموذج الجدران الخرسانية على امتداد حدوده الطويلة.
خيارات لبنانية محدودة… ولكن حاسمة
غياب الحلول الهندسية الكبرى لم يمنع المؤسسة العسكرية من البحث عن بدائل واقعية. فالتجربة التي خاضها لبنان خلال ذروة الحرب السورية، حين اخترقت الجماعات الإرهابية حدوده ووصلت إلى عمقه الداخلي، شكّلت درسًا قاسيًا لا يمكن تجاهله. من هنا، تسارعت الخطوات الهادفة إلى تعزيز القدرات العملانية للجيش، خصوصًا في الشمال والشرق.
وفي هذا الإطار، جاء الاجتماع الأخير الذي عقده قائد الجيش العماد رودولف هيكل مع ممثلي الدول الداعمة لبرامج حماية الحدود، ليؤكّد حاجة الوحدات المنتشرة إلى مزيد من الدعم، سواء على مستوى العتاد أو الموارد البشرية، في ظل ارتفاع واضح في حجم المهام الملقاة عليها.
إعادة هيكلة الانتشار الحدودي
ضمن هذا المسار، بدأ الجيش فعليًا التحضير لتشكيل وحدة جديدة مخصّصة لدعم الأفواج المنتشرة على الحدود البرية. هذا الفوج الإضافي لا يأتي ليحلّ مكان الوحدات القائمة، بل ليشكّل قوة إسناد تسمح بتكثيف الانتشار في النقاط الحسّاسة، وملء الثغرات التي تفرضها الطبيعة الجغرافية الوعرة في بعض المناطق.
وتغطي الأفواج الحالية شريطًا حدوديًا واسعًا يمتد من أقصى الشمال عند البحر، مرورًا بالحدود الشرقية وصولًا إلى مرتفعات جبل الشيخ. ومع استكمال إنشاء أبراج مراقبة جديدة بدعم غربي، يصبح تعزيز العنصر البشري ضرورة ملحّة لضمان فعالية هذه البنى التحتية وعدم تحوّلها إلى مواقع معزولة.
تنسيق قائم… لكن بلا ضمانات
على الضفة الأخرى من الحدود، يسهم التنسيق القائم بين الجيش اللبناني وقوات الحكومة السورية برئاسة أحمد الشرع في خفض منسوب التوتر، خصوصًا في ظل رغبة إقليمية ودولية بتجنّب أي احتكاك مباشر قد يفتح جبهة جديدة غير محسوبة. إلا أن هذا التنسيق، مهما بلغ مستواه، لا يشكّل ضمانة كافية أمام المخاطر المتحرّكة داخل الأراضي السورية.
فالتنظيمات المتشددة، وعلى رأسها «داعش»، أثبتت مرارًا قدرتها على استغلال الفوضى والفراغات الأمنية. وقد سُجّل خلال الفترة الماضية نشاط متزايد لعناصر التنظيم في مناطق قريبة من الحدود اللبنانية، مستفيدين من تفكّك بعض المنظومات الأمنية ومن حالات فرار من السجون والمخيّمات.
اختراقات صامتة
المقلق أكثر، وفق مصادر أمنية، هو نجاح بعض عناصر التنظيم، بينهم نساء، في الوصول إلى الأراضي اللبنانية خلال الأشهر الأخيرة. ورغم محدودية هذه الحالات من حيث العدد، إلا أنها تشكّل مؤشرًا خطيرًا على مرونة الشبكات التي يستخدمها التنظيم، وقدرته على تبديل مساراته ووسائله بعيدًا عن أعين الرقابة التقليدية.
وتشير المعلومات إلى تغيّر في خرائط التهريب، مع انتقال النشاط بشكل متزايد نحو المناطق الشمالية، حيث تتداخل العوامل العائلية والعشائرية مع الواقع السياسي، ما يصعّب عمليات الضبط الكامل للحدود. كما تتابع الأجهزة المختصة عن كثب تحرّكات مجموعات لبنانية شاركت في معارك داخل سوريا، أو أعلنت ولاءها العلني للسلطات السورية الجديدة.
معركة داخلية لا تقل خطورة
رغم كل هذه الإجراءات، يرى معنيون أن الخطر لا يقتصر على الجغرافيا. فالتعامل السياسي والإعلامي مع ملف الإرهاب لا يزال، في بعض الحالات، دون مستوى التهديد الفعلي. إذ يُسجّل استخفاف واضح من قبل جهات تعتبر أن المخاطر مبالغ فيها، أو تذهب إلى حد الدعوة إلى انخراط أطراف خارجية في الشأن اللبناني.
هذا الخطاب، بحسب مصادر أمنية، لا يقل خطورة عن أي ثغرة حدودية، لأنه يهيّئ بيئة سياسية واجتماعية قابلة للاختراق، ويمنح التنظيمات المتشددة هامشًا أوسع للحركة والتجنيد.
ما بعد الحدود
في المحصّلة، فإن تشكيل فوج جديد للحدود لا يُعد إجراءً تقنيًا فحسب، بل خطوة ضمن رؤية أوسع تحاول من خلالها المؤسسة العسكرية سدّ الفراغات الممكنة، في ظل واقع إقليمي هشّ ودعم دولي مشروط. ومع أن الجيش يبقى خط الدفاع الأول، إلا أن نجاح هذه المقاربة يبقى مرتبطًا بمدى الجدية السياسية في التعامل مع خطر الإرهاب، قبل أن يتحوّل مجددًا إلى أزمة داخلية يصعب احتواؤها.