تتجه الولايات المتحدة إلى مراجعة شاملة لوجودها العسكري في سوريا، في ظل متغيرات ميدانية وأمنية متسارعة، دفعت وزارة الدفاع الأمريكية إلى دراسة خيار الانسحاب الكامل من الأراضي السورية، بعد سنوات من الانخراط العسكري تحت عنوان محاربة تنظيم الدولة الإسلامية ومنع عودته.
وتشير معطيات متداولة في الأوساط السياسية والعسكرية الأمريكية إلى أن البنتاغون بات يشكك في جدوى استمرار المهمة العسكرية، خاصة في ظل التغيرات التي طرأت على خريطة القوى المحلية، وتراجع الشركاء الذين اعتمدت عليهم واشنطن خلال السنوات الماضية في تنفيذ استراتيجيتها شمال وشرق سوريا.
أحد أبرز العوامل التي أعادت فتح ملف الانسحاب يتمثل في احتمال تفكك أو حل قوات سوريا الديمقراطية، التي شكلت العمود الفقري للعمليات البرية ضد تنظيم الدولة الإسلامية. ويرى مسؤولون أمريكيون أن غياب هذا الشريك المحلي سيُفقد الوجود الأمريكي مبرره الأساسي، إذ لا ترى واشنطن سبباً مباشراً للإبقاء على قواتها في حال غابت القوة التي كانت تنسق معها ميدانياً.
ملف سجناء تنظيم الدولة الإسلامية يمثل بدوره عاملاً محورياً في النقاش الدائر حول مستقبل الوجود العسكري الأمريكي. فمع وجود آلاف المقاتلين السابقين وعائلاتهم في مراكز احتجاز ومخيمات شمال شرقي البلاد، لطالما اعتبرت واشنطن أن تأمين هذه المرافق ومنع فرار المحتجزين يشكل سبباً رئيسياً لبقاء قواتها.
غير أن هذا الملف بدأ يشهد تحولاً لافتاً، مع بدء نقل أعداد كبيرة من السجناء إلى خارج سوريا، في خطوة تهدف إلى تقليص المخاطر الأمنية المحتملة، خصوصاً مع تقدم القوات الحكومية للسيطرة على مناطق تضم مراكز احتجاز حساسة. ويخشى مسؤولون أمريكيون من أن يؤدي أي خلل أمني أو إداري إلى فرار جماعي لعناصر التنظيم، ما قد يعيد إحياء تهديده في المنطقة.
في هذا السياق، يشير خبراء في الشأن السوري إلى أن إخراج ملف سجناء تنظيم الدولة الإسلامية من المعادلة السورية يزيل أحد الأعمدة الأساسية التي استند إليها الوجود العسكري الأمريكي خلال العام الماضي. ويؤكد هؤلاء أن استمرار الانتشار العسكري دون هدف واضح أو شريك موثوق يطرح تساؤلات جدية حول استدامة هذا الوجود، لا سيما في ظل الضغوط الداخلية المتزايدة داخل الولايات المتحدة لتقليص الانخراط في نزاعات خارجية طويلة الأمد.
ومع ذلك، لا يزال تنظيم الدولة الإسلامية يشكل هاجساً أمنياً قائماً، إذ تشير تقارير أمنية إلى تنفيذ مئات الهجمات خلال العام الماضي، إضافة إلى محاولات لتنفيذ عمليات واسعة النطاق في مناطق مختلفة من البلاد. وتؤكد هذه المعطيات أن التنظيم، رغم تراجعه، لم يُهزم بشكل نهائي، ولا يزال قادراً على استغلال أي فراغ أمني لإعادة تنظيم صفوفه.
وبين خيار الانسحاب الكامل، أو الإبقاء على وجود محدود ومشروط، تقف واشنطن أمام مفترق طرق حساس، تحكمه حسابات أمنية وسياسية معقدة. فقرار الانسحاب قد يفتح الباب أمام تحولات عميقة في المشهد السوري، في حين أن البقاء دون استراتيجية واضحة قد يعرّض القوات الأمريكية لمخاطر متزايدة دون عائد ملموس.