تهريب مكلف يعزل رأس العين

2026.01.19 - 09:35
Facebook Share
طباعة

 تشهد مدينتا رأس العين وتل أبيض، شمالي سوريا، أزمة متصاعدة في حركة تنقل السكان نحو محافظتي الرقة والحسكة شمال شرقي البلاد، في ظل ارتفاع كبير بتكاليف السفر عبر طرق التهريب، التي باتت الوسيلة الوحيدة المتاحة أمام المدنيين، سواء لأغراض العلاج أو إنجاز المعاملات الرسمية أو زيارة الأقارب.

وخلال الفترة الأخيرة، ارتفعت تكلفة الرحلة للشخص الواحد من نحو 150 دولارًا أمريكيًا إلى ما بين 220 و230 دولارًا، وهو مبلغ يفوق قدرة شريحة واسعة من الأهالي، في ظل الظروف المعيشية الصعبة، وتراجع مصادر الدخل، وارتفاع تكاليف الحياة اليومية.

ويُعزى هذا الارتفاع، بحسب معطيات محلية، إلى تعقيدات أمنية وسياسية جعلت التنقل المباشر بين المناطق أمرًا شبه مستحيل، ما دفع السكان إلى الاعتماد على شبكات تهريب تعمل عبر مسارات غير رسمية، مستفيدة من حاجة المدنيين الملحّة للتنقل، وفرضت بدورها أجورًا مرتفعة مقابل تأمين العبور.

تقع رأس العين وتل أبيض بمحاذاة الحدود التركية، وتخضعان لسيطرة الحكومة السورية، في حين تحيط بهما مناطق نفوذ “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، الأمر الذي يجعل الحدود التركية المنفذ الخارجي الوحيد، ويعقّد حركة الانتقال نحو الداخل السوري أو إلى مناطق شمال شرقي البلاد.

ويؤكد سكان من المدينتين أن غياب المعابر الرسمية المفتوحة أمام المدنيين حوّل التنقل إلى رحلة محفوفة بالمخاطر والتكاليف، حيث يُضطر الأهالي إلى سلوك طرق وعرة وطويلة، غالبًا عبر مسارات ترابية بعيدة عن الطرق الرئيسية، باستخدام وسائل نقل بدائية، في ظروف تفتقر إلى الحد الأدنى من الأمان.

وتبرز المعاناة بشكل خاص لدى المرضى الذين يحتاجون إلى متابعة طبية دورية في محافظات أخرى، إذ باتت تكاليف السفر تشكّل عائقًا حقيقيًا أمام استمرارية العلاج، ما يدفع بعضهم إلى تأجيل المراجعات الطبية أو التوقف عنها كليًا، رغم خطورة ذلك على صحتهم.

ولا تقتصر الأزمة على الجانب الصحي، إذ يعاني كثير من السكان من صعوبة الوصول إلى الدوائر الرسمية لاستكمال معاملات قانونية أو إدارية تتعلق بالعقارات أو الوثائق الشخصية، في ظل ارتفاع تكاليف العبور، ما يؤدي إلى تعطّل مصالحهم وتأجيلها إلى أجل غير معلوم.

كما انعكست هذه الأوضاع على الروابط الاجتماعية والعائلية، حيث اضطر العديد من الأهالي إلى إلغاء زيارات عائلية أو تأجيلها، نتيجة الكلفة العالية لعبور أفراد الأسرة الواحدة، والتي قد تصل إلى مئات الدولارات، وهو مبلغ يتجاوز إمكانيات معظم العائلات.


تشديد أمني يرفع التكاليف
في المقابل، يعزو العاملون في مجال نقل الأشخاص عبر الطرق غير الرسمية ارتفاع التكاليف إلى تشديد الإجراءات الأمنية خلال الأشهر الماضية، ولا سيما على المعابر والمسارات الحيوية التي كانت تُستخدم سابقًا، إضافة إلى الطرق الواقعة على محاور رئيسية مثل الطريق الدولي “M4”.

وبحسب هذه الإفادات، فإن القيود المتزايدة دفعت إلى البحث عن طرق بديلة أبعد وأكثر خطورة، تتطلب وقتًا أطول وجهدًا أكبر، فضلًا عن استخدام وسائل نقل متعددة خلال الرحلة الواحدة، ما يرفع التكاليف التشغيلية، ويتم تحميلها في النهاية على المسافر.

ويشير مطلعون إلى أن بعض هذه الرحلات بات يتم تقسيمها إلى مراحل، تتخللها فترات انتظار طويلة، وتبديل لوسائل النقل، في محاولة لتفادي المخاطر الأمنية، الأمر الذي يزيد من الأعباء النفسية والمادية على المدنيين.

ويرى سكان محليون أن استمرار هذا الواقع يفاقم معاناتهم، ويجعل أبسط الحقوق، مثل العلاج أو التنقل أو لمّ شمل العائلات، رهينة للقدرة المالية، مطالبين بتحييد المدنيين عن الصراعات القائمة، وتأمين ممرات آمنة تتيح لهم التنقل دون ابتزاز أو مخاطر.

ولا تقتصر تداعيات هذه الأزمة على تنقل الأفراد فقط، إذ يشتكي الأهالي من ارتفاع أسعار المواد الغذائية والأدوية والمحروقات، نتيجة فرض رسوم مرتفعة على البضائع العابرة من المعابر، ما يؤدي إلى وصول السلع بأسعار باهظة، وأحيانًا بجودة متدنية، الأمر الذي يضاعف الأعباء المعيشية.

في ظل هذه الظروف، يجد سكان رأس العين وتل أبيض أنفسهم محاصرين بين واقع أمني معقّد، وارتفاع غير مسبوق في تكاليف التنقل، وسط غياب حلول واضحة، ما يحوّل السفر من حاجة إنسانية أساسية إلى أزمة معيشية يومية، تتطلب تدخلًا يضمن حرية الحركة ويخفف عن المدنيين أعباء الحياة القاسية.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 3 + 7