تشهد محافظة دير الزور، شرقي سوريا، تصعيدًا ميدانيًا لافتًا تمثّل في تحركات واسعة للعشائر العربية، ترافقت مع اشتباكات عنيفة ضد “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في عدد من القرى والبلدات الواقعة شرق نهر الفرات، في تطور يعكس حالة توتر متصاعدة تشهدها المنطقة منذ أيام.
وبحسب المعطيات الميدانية، تمكنت مجموعات من أبناء العشائر من السيطرة على نقاط تابعة لـ”قسد” في بلدتي الطيانة وغرانيج بريف دير الزور الشرقي، وسط انسحاب جزئي لعناصر القوات من بعض المواقع، في وقت استمرت فيه الاشتباكات بوتيرة متفاوتة في أكثر من محور.
وامتدت المواجهات إلى بلدات وقرى أخرى، من بينها أبو حمام، وذيبان، ومحيط حاجز أبو حردوب، إضافة إلى محيط بلدية الجرذي الشرقي، حيث سُجل تبادل لإطلاق النار واستخدام أسلحة خفيفة ومتوسطة، في ظل حالة من الاستنفار الشعبي وتحركات عشائرية متزامنة في المنطقة.
كما أفادت المعلومات بسقوط قذائف على نقاط تابعة لـ”قسد” في بلدة الشحيل، بالتزامن مع سماع دوي أربعة انفجارات قوية هزّت مناطق متفرقة من ريف دير الزور الشرقي، ما أثار حالة من القلق بين المدنيين، ودفع بعض العائلات إلى التزام منازلها أو النزوح المؤقت نحو مناطق أكثر هدوءًا.
وفي تطور لافت، انسحب عناصر وكوادر من مواقع حيوية، أبرزها محيط حقل “العمر” النفطي، إضافة إلى منطقة “7 كيلو”، دون تسجيل اشتباكات مباشرة في تلك المواقع، ما فُسر على أنه إجراء احترازي في ظل اتساع رقعة التوتر، وخشية من انتقال المواجهات إلى مناطق استراتيجية.
في المقابل، أصدرت “قسد” بيانًا أوضحت فيه أن ما يجري في ريف دير الزور الشرقي هو اشتباكات بينها وبين خلايا تابعة لتنظيم “الدولة الإسلامية”، قالت إنها خرجت لدعم الحكومة السورية الجديدة، في عدد من القرى. وأكدت أن قواتها تواصل عملياتها الأمنية والعسكرية للحفاظ على الاستقرار، وفق تعبيرها.
ويأتي هذا التصعيد بعد أيام من توتر أمني متصاعد شهدته مناطق شمال شرقي سوريا، تمثل في سلسلة هجمات متزامنة استهدفت نقاطًا وحواجز عسكرية تابعة لـ”قسد”، بالتوازي مع تحركات عسكرية وتعزيزات ميدانية دفعت بها القوات إلى خطوط التماس، خصوصًا في ريف دير الزور الشرقي.
وكانت المنطقة قد شهدت، في الأيام الماضية، استهداف نقطة عسكرية في بلدة أبو حمام باستخدام قذائف مضادة للدروع وأسلحة رشاشة، أعقبها هجوم آخر على نقطة قرب ضفة نهر الفرات في بلدة الشعفة، دون صدور بيانات رسمية حول الخسائر البشرية في تلك العمليات.
كما نفذت مجموعات من مقاتلي العشائر العربية، في وقت سابق من الشهر الحالي، هجمات متزامنة طالت مواقع وحواجز عسكرية لـ”قسد” على طول ضفة نهر الفرات الشرقية، في خطوة اعتُبرت آنذاك تصعيدًا منظمًا يعكس انتقال الاحتقان الشعبي إلى مواجهة مفتوحة.
وقال أحد القياديين في صفوف العشائر العربية، إن تلك الهجمات جاءت ردًا على ما وصفه بـ”سياسة المداهمات والاعتقالات” التي تنفذها “قسد” في المنطقة، بحجة ملاحقة مطلوبين أو خلايا تابعة لتنظيم “الدولة”، معتبرًا أن هذه الإجراءات تواجه رفضًا واسعًا من الأهالي وتؤدي إلى تفاقم حالة الغضب الشعبي.
وأضاف أن التحركات العشائرية الحالية تعكس حالة تعبئة عامة في منطقة الجزيرة، في ظل شعور متزايد بالتهميش وغياب الشراكة الحقيقية في إدارة المنطقة، على حد تعبيره، مؤكدًا أن التصعيد مرشح للاستمرار ما لم تُعالج الأسباب الجذرية للأزمة.
وتتزامن هذه التطورات مع عملية عسكرية أطلقتها الحكومة السورية الجديدة للسيطرة على مناطق غرب نهر الفرات، جنوب وشرقي مدينة الرقة، في إطار إعادة بسط نفوذها على مناطق كانت خارج سيطرتها.
وفي سياق متصل، أعلن قائد “قسد” مظلوم عبدي عن اتفاق يقضي بانسحاب قواته من ريف حلب الشرقي باتجاه شرق الفرات، بضمانة دولية، في خطوة تعكس إعادة تموضع عسكري قد يكون لها تأثير مباشر على موازين القوى في شرق سوريا.
ويرى مراقبون أن ما يجري في دير الزور يشكل اختبارًا بالغ الحساسية لمستقبل السيطرة والإدارة في المنطقة، في ظل تشابك العوامل العشائرية والأمنية والسياسية، وتزايد احتمالات اتساع رقعة المواجهات إذا لم تُفتح قنوات حوار حقيقية تخفف من حدة الاحتقان وتمنع انزلاق المنطقة إلى فوضى أوسع.