سجناء سياسيون بلا أفق للحرية في لبنان

2026.01.12 - 12:24
Facebook Share
طباعة

 مع دخول فصائل الثورة السورية إلى دمشق عام 2024، فُتحت أبواب السجون في مدن سورية عدة، وخرج آلاف المعتقلين السياسيين الذين احتجزهم نظام بشار الأسد طوال سنوات الحرب. غير أن مشهد الحرية هذا لم يكتمل بالنسبة لعشرات السوريين الذين ما زالوا يقبعون خلف القضبان في لبنان، رغم التغير الجذري في المشهد السياسي داخل سوريا.

في سجن رومية، الأكبر والأكثر سوء سمعة في لبنان، لا يزال معتقلون سوريون محتجزين على خلفية دعمهم للانتفاضة السورية أو انخراطهم في نشاطات معارضة للنظام السابق. بعضهم أمضى سنوات طويلة في الحبس الاحتياطي، دون محاكمة أو حكم نهائي، فيما بات مصيرهم اليوم رهينة مفاوضات سياسية وأمنية معقدة بين بيروت ودمشق.


فرحة ناقصة
يستعيد أحد المعتقلين، الذي عرّف عن نفسه باسم مستعار “عمر”، لحظة تأكدهم من سقوط نظام الأسد عبر هاتف جرى تهريبه إلى السجن. يقول إن معظم السجناء بكوا فرحًا، معتقدين أن حريتهم باتت قريبة. لكن بعد مرور أكثر من عام، لا يزال عمر ورفاقه في الزنازين نفسها، وسط شعور متزايد بالخذلان والقلق من المجهول.

ويجد هؤلاء أنفسهم عالقين في مرحلة انتقالية حساسة، في وقت تسعى فيه كل من سوريا ولبنان إلى إعادة ترتيب العلاقات الثنائية بعد عقود من التوتر والوصاية والاتهامات المتبادلة.


خلاف على تعريف “السجين السياسي”
منذ أيلول الماضي، دخل البلدان في مفاوضات تهدف إلى تسوية ملف السجناء السوريين في لبنان، إلا أن المحادثات تعثرت عند نقطة جوهرية تتعلق بتعريف “السجين السياسي” في مرحلة ما بعد الأسد.

وبحسب تقديرات رسمية، يوجد نحو 2500 سجين سوري في السجون اللبنانية، معظمهم محتجزون بقضايا جنائية. إلا أن قرابة 200 منهم موقوفون بتهم مرتبطة بالثورة السورية، مثل الانتماء إلى فصائل معارضة أو ممارسة نشاط سياسي مناهض للنظام السابق.

وتكمن حساسية الملف في أن بعض هؤلاء المعتقلين متهمون بقضايا ذات طابع أمني، تشمل الاشتباك مع الجيش اللبناني أو تنفيذ هجمات ضده، وهو ما يجعل الإفراج عنهم مسألة شديدة التعقيد داخل لبنان، رغم أن مسؤولين يؤكدون أن هذه الحالات لا تمثل الغالبية.


توتر سياسي وضغوط متبادلة
تشير مصادر مطلعة إلى أن دمشق أبدت استياءً متزايدًا من بطء المفاوضات، ولوّحت بتجميد ملفات سياسية وأمنية أخرى، من بينها ترسيم الحدود البرية وملف عودة اللاجئين السوريين، إلى حين التوصل لاتفاق واضح بشأن السجناء.

في المقابل، يؤكد مسؤولون لبنانيون أنهم يسعون إلى حل تدريجي ومتوازن، آخذين في الاعتبار حساسية الرأي العام اللبناني وملفات العنف التي شهدها شمال البلاد خلال سنوات الحرب السورية.


إرث الصراع وعدم النسيان
لا يزال شبح المواجهات السابقة يلقي بظلاله على المفاوضات. ففي عام 2014، شهد شمال لبنان اشتباكات دامية بين الجيش اللبناني ومقاتلين تابعين لجبهة “النصرة”، أسفرت عن مقتل جنود ومدنيين، وخطف عسكريين جرى إعدامهم لاحقًا.

ورغم التحولات السياسية اللاحقة، لا تزال تلك الأحداث حاضرة بقوة في الذاكرة اللبنانية، ما يفسر التحفظ الرسمي والشعبي تجاه الإفراج عن معتقلين ارتبطت أسماؤهم بتلك المرحلة.

في المقابل، يرى مسؤولون سوريون أن لبنان تجاهل دور أطراف لبنانية مسلحة في القتال داخل سوريا، معتبرين أن المعايير المزدوجة لا تزال تحكم هذا الملف.


اتهامات بانتهاكات جسيمة
لطالما تعرض لبنان لانتقادات منظمات حقوقية دولية بسبب محاكمة مدنيين أمام محاكم عسكرية، واستخدام الحبس الاحتياطي المطوّل، وانتزاع اعترافات تحت التعذيب.

محامون وناشطون حقوقيون يؤكدون أن سوريين كُثر اعتُقلوا بشكل تعسفي، أو وُجهت لهم تهم فضفاضة، دون أدلة كافية، فيما لا تزال أوضاع السجون توصف بـ”الكارثية”، من حيث الاكتظاظ، وسوء التغذية، وغياب الرعاية الطبية.

وتشير شهادات معتقلين إلى انتشار الأمراض الجلدية، ووجود قوارض وحشرات، فضلًا عن تسجيل حالات وفاة نتيجة الإهمال الطبي أو الانتحار خلال السنوات الأخيرة.


إصلاحات بطيئة وأمل محدود
تقول السلطات اللبنانية إنها بدأت اتخاذ خطوات إصلاحية، شملت تسريع البت في ملفات الموقوفين احتياطيًا، وقد أُفرج عن أكثر من مئة معتقل سوري منذ أيلول الماضي، بينهم عدد محدود من السجناء السياسيين.

كما طُرح مقترح يقضي بإعادة معظم السجناء السوريين إلى بلادهم لقضاء ما تبقى من محكومياتهم هناك، مع الإفراج عن من أمضوا فترات طويلة دون محاكمة. إلا أن تعديلات طرأت على المقترح في اللحظات الأخيرة، ما أدى إلى تجميده مجددًا.


انتظار بلا نهاية
وسط هذا التعقيد، يبقى عشرات المعتقلين السوريين في حالة انتظار مفتوحة. ويختصر عمر معاناتهم بسؤال بسيط: “اعتُقلنا لأننا دعمنا الثورة، واليوم أصبح الثوار في الحكم… فلماذا ما زلنا هنا؟”.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 3