أعلنت بطريركية الروم الأرثوذكس في القدس وبطريركية اللاتين، اليوم الثلاثاء، أن رجال الدين والراهبات في كنيستين بمدينة غزة قرروا البقاء في مقارهم لرعاية المدنيين الذين احتموا بها منذ اندلاع الحرب، مؤكدين أن مغادرة المدينة نحو الجنوب "توازي حكماً بالإعدام".
وأوضحت القيادتان الكنسيتان أن كنيستي القديس برفيريوس للروم الأرثوذكس والعائلة المقدسة الكاثوليكية تحولت منذ بداية الحرب إلى ملاذ لمئات المدنيين، من نساء وأطفال وكبار سن، يعانون أوضاعًا إنسانية بالغة الصعوبة جراء الحصار ونقص الغذاء والدواء. وأضاف البيان أن كثيراً من النازحين داخل أسوار المجمعات الدينية باتوا يعانون من الضعف وسوء التغذية نتيجة الأشهر الطويلة من القصف والقيود الإسرائيلية.
وجاء في البيان: "إن مغادرة غزة ليست خيارًا آمنًا، بل تهديد بالموت. رجال الدين والراهبات اختاروا البقاء إلى جانب الناس، لرعايتهم وحمايتهم قدر المستطاع".
ويأتي هذا الموقف في وقت تشهد فيه مدينة غزة تصعيدًا عسكريًا غير مسبوق.
ففي الشهر الماضي، قُتل ثلاثة مدنيين وجُرح تسعة آخرون على الأقل في غارة جوية إسرائيلية استهدفت كنيسة العائلة المقدسة، التي كانت تؤوي أيضًا نازحين. وبحسب جمعية "كاريتاس القدس" الخيرية، فإن الضحايا شملوا سعد سلامة (60 عامًا) بواب الكنيسة، وفوميا عياد (84 عامًا) التي كانت تتلقى دعمًا نفسيًا داخل خيمة تابعة للجمعية، ونجوى أبو داود (69 عامًا). كما أُصيب الأب غابرييل رومانيللي، كاهن الطائفة الكاثوليكية، بجروح خلال الهجوم.
وقد أثار الاستهداف إدانات واسعة، حيث ندد البابا ليون الرابع عشر وبطريركية القدس للاتين بالقصف الذي طاول الموقع المقدس، فيما وصف الجيش الإسرائيلي الغارة بأنها "نيران طائشة"، واعتبرها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو "خطأ".
بالتوازي مع ذلك، صادق المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي المصغر مؤخرًا على خطة لفرض السيطرة الإسرائيلية على قطاع غزة تبدأ من اجتياح مدينة غزة. وتنص الخطة على مطالبة السكان بإخلاء المدينة في موعد أقصاه السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2025، وهو ما أثار مخاوف من تهجير جماعي جديد للفلسطينيين.
وأكدت البطريركية في بيانها أن: "لا مستقبل يُبنى على أسر الفلسطينيين أو تهجيرهم أو الانتقام. هذا ليس الطريق الصحيح. لا مبرر للتهجير الجماعي المتعمد والقسري للمدنيين"، داعية في الوقت ذاته إلى إطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين، ومشددة على أن حماية حياة الأبرياء يجب أن تكون أولوية للجميع.
وتحوّلت الكنائس في غزة خلال الأشهر الماضية إلى رمز للصمود والتمسك بالبقاء، في وقت يواجه فيه السكان أزمات إنسانية متراكمة بسبب الحرب. ورغم المخاطر المستمرة، يصر رجال الدين والراهبات على أن وجودهم بين الناس في هذه اللحظة الحرجة هو واجب أخلاقي ورسالة إنسانية تتجاوز حدود الدين والسياسة.