بعد فشله في السيطرة على "جنون" الدولار، رغم تدخله اكثر من مرة للحد من ارتفاع سعر الصرف في السوق السوداء عبر التعاميم التي تسمح بشراء الدولار عبر منصة "صيرفة"، استنجد حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بالاجهزة الأمنية والقضاء لتوقيف المضاربين على الليرة في الأسواق، خصوصاً مَن يشرف ويدير المجموعات على "الواتساب" وبعض الصرافين المعروفين لدى الاجهزة.
وبحسب مصادر متابعة لاجتماع المجلس المركزي في مصرف لبنان، فقد أصر سلامة على ضرورة تدخل كل الأجهزة الأمنية والقضائية للسيطرة وتوقيف المضاربين على الليرة.
وبعد اشتراط سلامة انه لن يتدخل ولن يتخذ أي اجراءات قبل السيطرة على كبار المضاربين في السوق، طلب رئيس حكومة تصريف الاعمال نجيب ميقاتي، من مدعي عام التمييز القاضي غسان عويدات التدخل فوراً واتخاذ الاجراءات المناسبة، فأتى توجيه عويدات كتاباً الى النائب العام المالي القاضي علي إبراهيم، طلب فيه تسطير استنابات قضائية فورية إلى أفراد الضابطة العدلية كافةً (قوى الأمن الداخلي- الأمن العام - أمن الدولة -جمارك -مخابرات الجيش) بغية إجراء التعقّبات والتحقيقات الأولية كافةً، والعمل على توقيف الصرّافين والمضاربين على العملة الوطنية والتسبّب بإنهيارها، واقتيادهم مخفورين إلى دائرة النيابة العامة المالية لإجراء المقتضى القانوني وإفادته بالنتيجة بالسرعة الممكنة.
"سوق العاصمة" و"المعتمدة" و"مركزية بيروت والضاحية" و"بينغو"، وغيرها من المجموعات التي أصبحت معروفة لدى القوى الأمنية والقضائيّة، تسرح وتمرح وترفع سعر صرف الدولار عبر أساليب ملتوية، هل فعلاً اتخذ القرار لتوقيفهم؟، ام ان هذا الطلب هو لرمي الكرة في ملعب الاجهزة الامنية وتبرئة السلطة المالية والسياسية نفسها؟.
فهل يعقل أن يُترك مصير شعب بكامله لسوق سوداء غير منضبطة يتحكّم بها "أبو النار" و"ابو شهاب" و"أبو الشيم" عبر مجموعات (غروبات واتساب وإنستغرام) مشتركة ابتكروها للتلاعب بالأسواق ورفع سعر صرف الدولار؟.
وفي هذا السياق، يؤكد الخبير الاقتصادي البروفسور جاسم عجاقة في حديث لوكالة انباء اسيا، ان مثل هذا القرار كان يجب ان يتخذ منذ بداية الازمة اي منذ عام 2019، لافتا الى ان المادة 319 من قانون العقوبات تُجرم هذه الافعال، آملاً ان يكون قرار رفع الغطاء عن هذه الشبكات قد أتخذ، وان لا يتم "فشة الخلق" بالصرافين الصغار الذين يحققون ربحاً يومياً قرابة 200 دولار.
ويشير عجاقة في حديثه لوكالة انباء اسيا الى ان المضاربين الكبار يجاهرون بفعلتهم ولا يهابون أحداً، لانهم مسنودين على شخصيات نافذة في الدولة وفي حال تم اعتقالهم هناك من سيخرجهم مثل "الشعرة من العجينة"، مشدداً على ان قرار ملاحقة المضاربين مرحباً به وضروري ولكن العبرة تبقى في التنفيذ.
ويوضح عجاقة لوكالة انباء اسيا، ان شبكة المضاربين والصرافيين غير الشرعيين معقدة، وعددهم يفوق الآلاف، يحدّدون سعر الصرف وفق مزاجاتهم وخدمة لمصالحهم الشخصية بغية تحقيق أرباح لجيوبهم، لافتاً الى ان ثمّة "غروبات واتساب" مسؤول عنها بعض الصرافين غير الشرعيين والمضاربين من مناطق مختلفة هدفهم أن يبقى سعر الصرف مرتفعا.
وعن ما إذا كان هذا الاجراء سيؤدي الى انحفاض سعر صرف الدولار، يشير عجاقة لوكالة انباء اسيا الى انه في حال كان القرار جدياً وتحركت الاجهزة الامنية واعتقلت اصحاب الشبكات الذين تعرفهم بالاسماء حتماً سينعكس ذلك إنخفاضاً في سعر صرف الدولار، معتبراً ان الايام والساعات المقبلة كفيلة في ايضاح ان كان القرار جدياً أم لا.
وعن ما اذا كان سلامة قد استنجد بالقضاء بعد عدم قدرته على التدخل في السوق للجم الدولار، يؤكد عجاقة لآسيا ان مصرف لبنان لا يزال له القدرة المالية على التدخل في السوق، ولكن لم يعد لديه قدرة الاستمرارية في لجم ارتفاع سعر صرف والصمود لأن هناك قوة مضاربة كبيرة جداً وشرسة.
في غضون ذلك، كشفت معلومات صحفية، انه بعد انتشار خبر اجتماع الرئيس ميقاتي مع وزير المال في حكومة تصريف الاعمال يوسف الخليل وحاكم مصرف لبنان، والحديث عن إمكان اتّخاذ اجراءات عملية لخفض سعر الصرف، تراجع سعر الصرف تلقائيّا، ولكنّ هذا الأمر لم يرقَ للمضاربين، خصوصا أنّ بعضهم اشترى الدولار بسعر مرتفع، فاتفقوا على خدعة لإيهام الناس أنّ الدولار سيعاود الارتفاع، وفعلًا ارتفع الدولار على إثرها ليصل الى 60 ألف ليرة.
ونقلت المعلومات الصحفية عن احد الصرافيين، ان أحد المضاربين كان فقد طلب 100 ألف دولار على سعر 59 ألفًا و800 ليرة ليوم الثلاثاء أي طلب مؤجّل، ومن ثمّ دخل مضارب آخر على خطّ المزايدة فطلب 100 ألف على سعر 60 ألف ليرة ليوم الاثنين، فيما الثالث طلب المبلغ على الـ60 ألفًا و200 ليرة ليصل بعد دقائق طلب الرابع الى 61 ألفًا و500 ليرة.
اما عن الإجراءات التي رشحت عن اجتماع المجلس المركزي في مصرف لبنان اليوم، فقد تبيّن أنها لا تعدو كونها استعادة لإجراءات سابقة تم اتخاذها على مراحل منذ بداية الأزمة المالية عام 2019، ولم تأت بنتيجة.
وتمثل الإجراء الأول بإصدار سلامة قراراً نسبه إلى المجلس المركزي لمصرف لبنان، مدّد بموجبه صلاحية التعميم 161 المتعلّق بالإجراءات الاستثنائية للسحوبات النقدية، حتى نهاية شهر شباط المقبل، اي مدّد مصرف لبنان العمل بالتعميم الذي يجيز للمواطنين السحب من حساباتهم المصرفية بالدولار على أساس منصة صيرفة.
وبحسب المعلومات، فإن المجلس المركزي لم يقرر أي تغيير، أقله في الوقت الحالي، يتعلّق بالسحوبات المصرفية عبر منصة صيرفة. فقد أبقى على سعر الدولار المعتمد حالياً عند 38 ألف ليرة للدولار.
وتعزو المصادر عدم اتخاذ المجلس المركزي لمصرف لبنان أي قرارات حاسمة اليوم إلى تريثه بالتدخل في السوق، ريثما يدخل قرار اعتماد سعر الدولار الجديد، أي 15 ألف ليرة (بدلاً من 8000 و12000 ليرة)، حيز التنفيذ يوم الأربعاء المقبل، واستطلاع وقعه على الاسواق.