انتشرت المخدرات في الفترات الأخيرة بنسب متزايدة بين شرائح مختلفة من المجتمع السوري، أبرز الشرائح تلك كانت طلاب المدارس الذين أدمن العديد منهم الحبوب المخدرة، بحسب تقارير ومصادر متعددة قاطعتها وكالة "أنباء آسيا" مع مدرسين استمعت إليهم في هذا الصدد.
وبحسب صفوح السباعي وهو مدير برنامج اليونسكو لمكافحة المنشطات في سوريا، فإنّ ظاهرة المخدرات بما تتضمنه من منشطات وحبوب دوائية مختلفة قد وجدت طريقها للانتشار بين طلاب الجامعات والمدارس بشكل خاص.
هذا ويبلغ سعر حبة الكابتاغون الواحدة حوالي 700 إلى 800 ليرة سورية، وعملياً تباع كل ثماني حبات مقابل دولار أمريكي واحد، وإمكانية الحصول عليها تتنوع ما بين السهل والصعب، إلا أنّ الأمر بالمجمل وباعتباره وجد طريقه للانتشار فلم يعد يصعب مؤخراً على الراغب بالحصول عليها أن يجدها بعد أن تنوعت وتعددت طرائق ومصادر ترويجها.
وبحسب دراسةٍ أصدرها مركز "ميدي غلوبال" فإنّ نسبة متعاطي المخدرات في سوريا باتوا أكثر من أي وقت سابق، سيما بين الفئة الشبابية، حيث ارتفع رقم المتعاطين من 3 بالمئة في عام 2011 إلى حدود 8 بالمئة عام 2022.
الموزع الصغير
أحمد شاب يبلغ من العمر سبعة عشر عاماً، كان يعمل في ترويج المخدرات في النطاق الضيق المحيط به في مدينة دوما في غوطة دمشق الشرقية، والتي ظلت تحت سيطرة فصائل مسلحة على رأسها "جيش الإسلام" حتى استعادتها من قبل الجيش السوري عام 2018.
أحمد كان يعيش في الغوطة إبان المعارك هناك، حقيقةً كان طفلاً حين نشبت الحرب، وبفعل الظروف تلك لم يتح له أن يكمل دروسه التعليمية متنقلاً بين الصفوف الدراسية، فتنقل بين مصالح عديدة خلال سنوات نموه المبكر، أبرزها مهنة "الحدادة"، قبل أن يجد أنّ طريق توزيع المخدرات هو الأكثر إثراء وربحاً سريعاً مقارنة بغيره، وكان كل ذلك قبل أن يقبض عليه ويواجه الحكم القانوني.
يروي عمّه تلك القصة لـ "وكالة أنباء آسيا" مشيراً أنّ ابن أخيه تورط بالأمر فعلاً، وكان يحصل على بضاعته "القليلة" عبر "ديلر" موجود في منطقة "سقبا" بالغوطة أيضاً. وهو الآخر قبض عليه لاحقاً أيضاً.
عائلة أحمد التي ترزح تحت وطأة سوء الحال الشديد بينت أنّها عجزت عن توكيل محامٍ لولدها الذي كان علاوةً على أنّه موزع "صغير"، كان مدمناً على تعاطي تلك الحبوب، تحديداً حبوب "ترامادول وكابتاغون"، وأنّ ولدهم متهم بتوزيع المادة على طلاب مدارس تتراوح أعمارهم بين 14 و18 عام في المنطقة، وهم لا زالوا ينتظرون أن يتم البت بأمر ولدهم.
مدارس تحت الخطر
وفعلياً هذا ما أكدته إحدى المعلمات في مدينة دوما، مبينةً أنّ عدداً من طلاب المدرسة لديهم ضبطوا وهم يتعاطون، أو يروجون، ولكن الخطورة ليست داخل المدرسة فقط، تقول: "يتم التوزيع على مقربة من المدرسة عبر مرّوجين باتوا معروفين ويستهدفون طلاب المدارس، هؤلاء يستدرجون الطلاب الشباب ويضحكون على عقولهم بهذه المخدرات".
وتضيف: "نحن مسؤوليتنا التعليمية في هذه الظروف لا يمكن أن تمتد إلى خارج أسوار المدرسة، ولا يمكننا أن نقوم بدور الضابطة العدلية وفرع مكافحة المخدرات الذين بلا شك مهتمون بالموضوع ولهم طرقهم في معالجته، ولكن أي تعاطٍ خارج المدرسة، وإن كان قرب بواباتها فهو خارج صلاحيتنا".
وتشير المعلمة أنهم لحظوا أكثر من مرة على عدد من الطلاب ملامح تعاطي المخدرات التي كانت تتمثل بسلوك عدواني وشحوب في الوجه وتقلبات في المزاج وميل لإيذاء الآخر والتعب العام، ويضاف لذلك التسرب المدرسي اللاحق الذي يسبقه كثرة التغيب، متسائلةً عن دور الأهالي في هذا الصدد، علماً أنّ المدرسة كانت تحاول إيصال الصورة مراراً لأهالي هؤلاء الطلاب، إلا أنّ انتشار الآفة –بحسب المعلمة- كان أسرع من إمكانية تداركها.
وتنصح المعلمة بدورها الأهالي لضرورة التنبه المبكر لسلوك أولادهم الذي لا يخفي نفسه في حال بدأوا بتعاطي المخدرات، وبضرورة الوعي والقدرة على التعامل مع المشكلة بهدوء عبر سبل متعددة تقيهم وتحاول إبعادهم عن تلك السكة وإعادة تصويب مسار حياتهم بعيداً عن رفاق السوء المدمنين.
التعاطي لأجل الدراسة
طلاب آخرون لم يكن القصد من تعاطيهم للمخدرات هو الإدمان بقدر هدفهم زيادة قدرتهم على التركيز والدراسة وهو ما قادهم للإدمان، وفي الإطار سجلت هنا حالات تعاطٍ لفتيان وفتيات، كما حصل في إحدى مدارس دمشق قبل مدة، إذ ضبطت طالبة في الصف العاشر الثانوي توزع حبوباً مخدرة على زميلاتها مقابل المال، تحديداً حبوب من نوع "كابتاغون"، بحجة أنّ تلك الحبوب تساعدهنً على التركيز والسهر وتحسين المستوى الدراسي، ليفضي الأمر إلى طالبات مدمنات.
التحقيقات حينها كشفت أنّ مصدر المخدرات الأساسي لتلك الفتاة هو صديقها الذي يعمل موزعاً، والذي كان يمدها بتلك الحبوب، قبل أن يكتشف أمرها وتفصل من المدرسة ويجري تحويل قضيتها إلى القضاء.
تزايد الأعداد
وبحسب مدير مستشفى ابن رشد للأمراض النفسية في دمشق غاندي فرح فهناك تزايد في حالات الإدمان بين المراهقين حيث يراجع الأهالي المستشفى للاستفسار عن بعض الأمور التي باتوا يلاحظونها على أبنائهم، كما يراجع ما بين 30 إلى 100 حالة يوميّاً، هم مرضى نفسيون أو يعانون من الإدمان، عيادات المستشفى الخارجية.
وبحسب الدكتور فرح فإنّ حالات الإدمان التي يجري تسجيلها تعود بعضها ليافعين أعمارهم 14 عام ويكون إدمانهم على مواد متعددة بينها الحبوب المخدرة والحشيش، مؤكداً غياب إحصائية دقيقة شاملة للأعداد في سوريا.
وأكد فرح أن تعاطي المخدرات يزداد يومياً بشكل أفقي وعمودي شاملاً أنواعاً جديدة من المخدرات، وأنّ أسباب انتشار المواد تلك بين المراهقين هي الأفكار التي يتم ترويجها عن هذا الموضوع إيجاباً، بالإضافة للمشكلات النفسية والعائلية، مع وجود أجيال لا تتلق ثقافة مطلوبة لتظلّ بعيدة عن ذلك المكان.
مجتمع ما بعد الحرب
هذا وتعدّ آفة المخدرات أبرز المخاطر التي تهدد المجتمع السوري والتي غزته لعدة عوامل متتالية أفرزتها الحرب، أبرزها تلك التي جسدت قيماً دخيلةً وأفكاراً مشوشة خلفتها سنين الحرب وغياب مفاهيم التربية والتوعية والإدراك، ويضاف لكل ذلك عنصر الفقر الذي دفع لشريحة من الشباب للمتاجرة بالمخدرات.
وفي حين تحاول أن تتخذ سلطات مكافحة المخدرات دورها التام في مكافحة الظاهرة، إلا أنّ انتشارها المطرد يتطلب آلية أكثر تكثيفاً ومتابعة وحرصاً، فالأجيال السورية صار بينها مدمون كثر ومروجون أكثر، يشكلون خطراً على أقرانهم، خطر متنامٍ لدرجة أنّ الحصول على المخدرات في سوريا صار يسيراً كما لم يكن يوماً، وتلك المخدرات بالتحديد ستكون كفيلة بهدم جيل كامل في ظل استسهال التعاطي وغسل العقول وسهولة التأمين.