يُسارع ذلك الولد ابن السبع سنوات لإلتقاط ورقة نقدية يتناقلها الهواء شمالاً ويساراً، فيوقفه رفيقه قائلاً: "شو بدك فيها لاحقها أصلاً ما بقى تجيب حبة علكة"، حتى الاطفال في لبنان باتوا يدركون ان عملتهم لم تعد تساوي شيئاً.
إقتربت منهما وإسترقت السمع، فإذا بهما يتناقلان حديث والديهما عن ان حاكم مصرف لبنان رياض سلامة سيطرح ورقة المليون ليرة في الأسواق، فاستغربت كيف ان حديث الاطفال في بلدي بات يطغى عليه همّ الواقع الاقتصادي والمعيشي.
طرح ورقة المليون ليرة لبنانية في الاسواق خبر قديم جديد، أعيد الحديث فيه بكثرة هذه الفترة تزامناً مع إقتراب موعد تطبيق العمل بسعر الصرف الرسمي الجديد أي 15000 ليرة لبنانية مقابل الدولار اعتباراً من الأول من شباط 2023، حيث أشيع مؤخرا ان "المركزي" طلب من الحكومة ان توافق بأسرع وقت على طرح ورقة المليون وذلك لتخفيف كتلة طباعة العملة.
ومع انتشار هذه الاخبار، أوضح عضو المجلس الاقتصادي والاجتماعي والباحث في الدولية للمعلومات صادق علوية، أن هذا الامر يحتاج الى آلية معينة، وهي تعديل قانون النقد والتسليف، ليتمكن عندها مصرف لبنان من بدء طرح الورقة، وبالتالي الامر ليس بهذه السهولة والسرعة.
فبحسب المادة 5 من قانون النقد والتسليف اي تعديل للأوراق النقدية الموجودة في التداول في لبنان يجب ان يترافق مع صدور قانون يُعدل المادة 5 من قانون النقد والتسليف، ما يعني ان قبل صدور هذا النوع من القوانين لا يمكن طرح أي ورقة نقدية إن كان من قبل حاكم مصرف لبنان بشكل إستنسابي أو فردي او من قبل اي مؤسسة أخرى.
في هذا الإطار، يشير الخبير الاقتصادي الدكتور بلال علامة الى انه نظرا لحجم التداول بالسيولة بالليرة نحن ذاهبون إلى التداول بأوراق نقدية من فئتي الـ 500 ألف والمليون ليرة لتخفيض تكلفة طباعة العملة لأن طبع كميات كبيرة مكلف جداً، لافتاً إلى أن وزارة المالية دفعت في رأس السنة حوالى 3 آلاف و600 مليار ليرة رواتب للقطاع العام والمبلغ غير كامل لأن هناك مستحقات كثيرة، تم تأجيل دفعها في مطلع السنة الجديدة بحيث يقدر المبلغ المتوجب ما بين الـ 5 آلاف و7 آلاف مليار ليرة وهذا رقم خيالي نسبة للسيولة بالليرة اللبنانية ، لذا أصبح هناك ضرورة للجوء إلى طباعة فئات نقدية كبرى لتخفيف الضغط وحركة التداول.
ومع ان أخبار طرح ورقة المليون ليرة بقيت في إطار التكهنات، إلا ان مصادر مطلعة كشفت لوكالة انباء اسيا أن مصرف لبنان وقبل الأزمة المالية، كان قد رفع كتاباً إلى حكومة الرئيس سعد الحريري قبل سنوات لطباعة ورقة 250 ألف ليرة و500 ألف ليرة، إلا أن حكومة الحريري لم تردّ آنذاك على هذا الطلب، خصوصاً وأن طباعة أي فئة جديدة من العملة، تحتاج إلى قانون من مجلس النواب.
وهنا تتساءل المصادر عن الهدف من طرح هذا الطلب قبل سنوات من قبل مصرف لبنان، مرجحة ان حاكم المركزي كان على علم مسبق بما سيحصل من انهيار سريع لليرة اللبنانية.
وفي حال تم طرح ورقة المليون ليرة في الاسواق، فإن ذلك لن يغير من الواقع الاقتصادي والمعيشي شيئاً بحسب خبراء الاقتصاد، لانه بحسب تعبيرهم ليس هناك من علاقة مباشرة بين إصدار فئة المليون ليرة وسعر صرف الدولار، مؤكدين ان الإصدار الموعود لن يُحدِث زيادة في حجم الكتلة النقدية المتداولة بل إنه من الممكن أن يؤدي إلى تقليصها عبر عمليات استبدال تتزامن مع وضع الفئة الجديدة في التداول.
ويشير الخبراء الى ان طرح ورقة المليون قد يكون هدفه تسهيل حركة السيولة في المرحلة المقبلة لأن هناك مشكلة جدية بالتداول بالأوراق النقدية بسبب وجود نقص بالأوراق الصغيرة بالسوق وان ورقة الـ 100 ألف تستهلك الكثير من حركة السيولة.
وإنطلاقاً من هذا الواقع، تؤكد مصادر مالية لوكالة انباء اسيا، انه ليس وارداً في الوقت الراهن اقدام مصرف لبنان على مثل هذا الطلب في ظل وجود حكومة تصريف أعمال، ورفض من قبل الكتل النيابية القيام بأي تشريع قبل انتخاب رئيس جديد للجمهورية.