يبدو أن العام الجاري 2023 لم يأت بجديد أو سيكون منصفاً للاقتصاد المصري الذي يمر بأكبر أزماته على مدار العام المنصرم 2022، إذ أوضحت العديد من التحليلات الاقتصادية أن العام الجاري سيشهد المزيد من التأزم الاقتصادي والتعثر للدائنين، كما أنه من المتوقع أن يشهد الجنيه المصري مزيداً من التراجع أمام الدولار.
وانخفض الجنيه المصري بنسبة 40 في المائة مقابل الدولار في عام 2022، ليصبح أحد أسوأ أداء عملات الأسواق الناشئة العام الماضي، وهذا الأسبوع، بدأ الجنية المصري عام 2023 بانخفاض أكثر من سبعة في المائة- بحسب ما قاله موقه ميدل إيست ىي.
وبحسب التحليل الذي قدمه موقع ميدل إيست آي، فإن انخفاض قيمة العملة يؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم، والتي تتوقع كابيتال إيكونوميكس، وهي شركة استشارية مقرها لندن، أن تبلغ ذروتها عند 27 في المائة بنهاية الربع الأول. وبلغ معدل التضخم في مصر 18.7 بالمائة في نوفمبر.
وفي مذكرة بحثية حديثة رفع بنك HSBC توقعاته لسعر الدولار مقابل الجنيه، مرجحاً أن يسجل على المدى القريب 32.5 جنيهاً في المتوسط مقارنة بـ 26 جنيها في توقعات سابقة.
وأدت الموجة الثالثة من الانخفاضات الحادة في أسعار صرف الجنيه خلال الأيام الأولى من عام 2023 إلى ارتفاع سعر الدولار إلى نحو 27.67 جنيهًا في نهاية تعاملات اليوم 10 يناير/ كانون ثاني ليصعد الدولار نحو 75% من مارس الماضي.
جاء ذلك بعدما تسببت الحرب الروسية الأوكرانية في خروج استثمارات غير مباشرة من مصر بقيمة 22 مليار دولار خلال أول 6 شهور من 2022 وفقا لتصريحات حكومية في وقت سابق- بحسب مذكرة البنك.
وذكر البنك في مذكرته البحثية أن المركزي المصري، بدأ في التحول إلى سعر صرف مرن كما جاء في بيان صندوق النقد الدولي، وقد ظهر ذلك من خلال تمويل الاعتمادات المستندية للإفراج عن البضائع المكدسة في الموانئ.
وأعلن المركزي المصري اتباع سياسة سعر صرف مرتين الأولى في مارس ورفع الفائدة آنذاك 200 نقطة أساس والثانية في أكتوبر 2022 ورفع الفائدة حينها 300 نقطة أساس.
وتوقع البنك في مذكرته البحثية، أن يستمر إرث السياسات المتشددة السابقة أيضا خلال العام الجديد 2023 في إلقاء عبء ثقيل على العملة المصرية، مع وجود نظرة مستقبلية على المدى القريب لا تزال صعبة.
ولفت بنك اتش اس بي سي إلى أن صافي الأصول الأجنبية من فائض قليل في بداية عام 2022 إلى عجز قدره 22 مليار دولار في نهاية عام 2022
واكد البنك على أن مصر تواجه جدولًا صعبًا لسداد الديون الخارجية، والتي تشمل سداد سندات بقيمة 1.25 مليار دولار في الربع الأول.
وفقًا للبنك يمثل الجزء الأكبر من مدفوعات مصر للكيانات متعددة الأطراف بقيادة صندوق النقد الدولي والتي بلغت 2.5 مليار دولار هذا العام و15 مليار دولار قبل نهاية عام 2026.
ديون مصر تخرج عن السيطرة:
وبالرغم من أن مصر لديها 45 مليار دولار من مدفوعات الديون المستحقة هذا العام. لازالت تكافح من أجل العثور على دائنين. بحسب ما أوضح موقع ميدل إيست آي فإن ارتفاع أسعار الفائدة في الغرب يجعل مصر وجهة غير مرغوب فيها للمستثمرين الأجانب.
وقال تشارلز روبرتسون، كبير الاقتصاديين في بنك الاستثمار رينيسانس كابيتال، إن “مصر ليس لديها احتياطيات من النقد الأجنبي أو تدفقات أجنبية للحفاظ على سعر صرف ثابت”.
وأضاف في تصريحاته الصحفية للموقع أن “مع انخفاض قيمة الجنيه، تصبح الواردات أكثر تكلفة. في الواقع، إنه شكل من أشكال شد الحزام الوطني. إن ما يجب على مصر فعله هو زيادة الإنتاج وتقليل الاستهلاك، لا سيما من الخارج”.
وتابع “مع ضعف العملة، ستصبح صادرات مصر أقل تكلفة وأكثر قدرة على المنافسة، التأثير المباشر هو انخفاض في الطلب على الواردات، بينما يتحمل المصريون الألم، وهم الذين يعانون من ارتفاع كبير في أسعار كل شيء من الأدوية إلى الأجهزة الأالإلكترونية، حيث تنخفض قيمة الجنيه”.
من جانبه يقول الخبير الاقتصادي، براد سيتسر، الزميل في مجلس العلاقات الخارجية والخبير في التجارة العالمية وتدفقات رأس المال، إن مصر ربطت عملتها تقليديًا بالدولار، مضيفا “هناك العديد من الطرق التي يمكن للحكومات من خلالها إدارة سعر الصرف، ولكن الطريقة الأكثر وضوحًا هي أن تستخدم البنوك المركزية احتياطاتها من العملات الأجنبية، البنك المركزي المصري سيبيع الدولارات في السوق عندما يكون هناك نقص في المعروض أو يشتريها عندما يكون هناك الكثير”.
ويستكمل “تربط دول الخليج جميع عملاتها بالدولار لأن معظم إيراداتها تأتي من النفط المسعّر بالدولار. مصر لديها أيضًا مصادر دخل أجنبية – تحويلات من الخارج وأرباح السياحة ورسوم قناة السويس – ولكنها لا تقترب من مستوى جيرانها الأكثر ثراءً”.
وفي محاولة للحفاظ على العملة الصعبة الموجودة في البلاد، طلبت الحكومة المصرية من المستوردين تقديم خطابات اعتماد، مما خلق طلبًا في السوق السوداء على الدولارات وتراكم البضائع في الموانئ.
وفي ديسمبر/كانون أول، لجأت مصر إلى صندوق النقد الدولي للحصول على قرضها الرابع من البنك خلال ست أعوام. كجزء من صفقة بقيمة 3 مليارات دولار، وافقت القاهرة على التحول إلى نظام سعر الصرف المرن، ووافقت على السماح بتحديد قيمة الجنيه من خلال قوى السوق، منذ ذلك الحين كان هناك العديد من التخفيضات المفاجئة في قيمة الجنيه.
وينهي براد سيتسر، الزميل في مجلس العلاقات الخارجية والخبير في التجارة العالمية وتدفقات رأس المال حديثه، بأن المزيد من الألم سيأتي على المصريين العاديين.. مضيفا “الخطر هو أن ديون مصر تخرج عن نطاق السيطرة".
مزيداً من التضخم:
توقع استطلاع أجرته "رويترز" استمرار ارتفاع معدل التضخم الرئيسي في مصر بعدما سجل بالفعل أعلى مستوى في خمس سنوات في نوفمبر/تشرين الثاني. وأظهر متوسط توقعات 15 محللاً، بحسب الاستطلاع أن التضخم السنوي بلغ 20.50% في ديسمبر/كانون الأول، ارتفاعا من 18.7% في نوفمبر/تشرين الثاني الذي كان أعلى مستوى منذ ديسمبر/كانون الأول 2017.
وقال بنك "غولدمان ساكس"، في مذكرة: "يعود هذا بصورة أساسية إلى الآثار الناجمة عن خفض قيمة الجنيه في نهاية أكتوبر/تشرين الأول، فضلا عن استمرار انخفاض قيمة العملة في السوق الموازية حتى ديسمبر/كانون الأول".
وتوقع التقرير نقلا عن محللين أن يقفز معدل التضخم الأساسي إلى 23.6% ارتفاعا من 21.5% في نوفمبر/تشرين الثاني. ومن شأن ارتفاع التضخم أن يضغط على لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي لرفع أسعار الفائدة في اجتماعها التالي في الثاني من فبراير/شباط.
وخفض البنك المركزي سعر الجنيه المصري 14.5% تقريبا في 27 أكتوبر/تشرين الأول، وسمح له بالاستمرار في الانخفاض تدريجيا وببطء في نوفمبر/تشرين الثاني، وديسمبر/كانون الأول، قبل أن يتجه للتعويم الثالث في أقل من عشرة أشهر، مطلع العام الجديد، في تلبية واضحة لشروط ومتطلبات صندوق النقد الدولي.