تزايدت الانتهاكات التي تشهدها أماكن الرعاية الصحية في مصر سواء الخاصة أو العامة، وعلى إثر ذلك طالب عدد من الحقوقيات والنسويات بضرورة تضمين قانون المسؤولية الطبية، الذي من المنتظر إقراراه خلال الفترة القادمة، آليات للتصدي لكافة أنواع الانتهاكات التي يتعرض لها النساء من تحرش جنسي وعنف وغيره داخل أماكن الرعاية الصحية.
وخلال الفترة القليلة الماضية، انتشرت العديد من قصص الانتهاكات الجنسية لكلا الجنسين داخل العيادات والمستشفيات، لكن النساء كانوا أصحاب النصيب الأكبر من تلك الانتهاكات.
فعلى سبيل المثال لا الحصر، في ديسمبر/ كانون أول الماضي، ألقت الأجهزة الأمنية بوزارة الداخلية القبض على طبيب بتهمة التحرش الجنسي بمريضة داخل مستشفى خاص في منطقة 15 مايو بمحافظة القاهرة أثناء توقيع الكشف الطبي عليها للعلاج من ضيق تنفس.
وكان قسم شرطة 15 مايو تلقى بلاغا من ربة منزل مقيمة بدائرة القسم، اتهمت طبيب أمراض صدرية بمستشفى خاص بالتحرش بها وهتك عرضها وملامسة أجزاء حساسة من جسدها أثناء توقيع الكشف عليها.
وفي سبتمبر/ أيلول الماضي، نشرت فتاة استغاثة في فيديو على فيسبوك، بعد تعرضها للتحرش على يد ممرض داخل مستشفى شهير في القاهرة.
الجدير بالذكر في هذه القضية أن النيابة برأت المتهم فيها، إلى جانب هذا رفضت إدارة المستشفى استبدال الممرض بعد شكوى الفتاة من تعرضها لمضايقاته، وغياب أية آلية إدارية تمكنها كمريضة من رفض تلقي الرعاية الطبية من شخص بعينه.
ويقترب البرلمان المصري من الموافقة على مشروع قانون المسؤولية الطبية، بعد أن أحاله رئيسه حنفي الجبالي، في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، إلى لجنة الصحة لمناقشته تمهيدًا لإقراره. وهو قانون يستهدف في المقام الأول توصيف الأخطاء الطبية وسُبل التقاضي فيها بما يضمن حقوق المرضى والأطباء، إلا أن القانون لم يتضمن أية تعابير أو مصطلحات فيما يخص الانتهاكات الجنسية التي تتعرض لها النساء داخل أماكن الرعاية الصحية.
فبحسب القانون فإن الخطأ الطبي هو "كل فعل إيجابي أو سلبي يرتكبه مقدم الخدمة ولا يتفق مع القواعد المهنية والأصول الفنية المتعارف عليها والمعايير الدولية للممارسة الصحية الآمنة"، فإنه لم يتوقف في أي من مواده على ما يحمي النساء تحديدًا من التعرض لأي مضايقات أو تمييز.
من جهتها ترى الناشطة النسوية إلهام عيداروس، أنه لابد من توافر آليات للتحقق من شكاوى الانتهاكات الجنسية والعنف الذي تتعرض لها النساء داخل أماكن الرعاية الصحية.
وأضافت الناشطة النسوية أن هناك إجراءات طبية تحتاج إلى تقييم وفقًا لبروتوكولات طبية وتحتاج إلى رد من أصحاب الاختصاصات، وبالتالي الاعتماد على قانون العقوبات فيما يخص قضايا التحرش الجنسي غير كافية.
وفي السياق تقول المحامية انتصار السعيد، مديرة مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون، أن هناك مسؤولية تقع على عاتق وزارة الصحة المصرية ونقابة الأطباء بضرورة توفير بيئة صحية آمنة للنساء، للحد من الشكاوى التي ظهرت مؤخراً سواء على مواقع التواصل الاجتماعي، أو ما ترصده مؤسسات المجتمع المدني المهتمة بقضايا النساء.
وأشارت السعيد إلى مبادرة لتوفير بيئة طبية آمنة للنساء التي أطلقتها المؤسسة. إذ أصدرت تطبيق إلكتروني بعنوان "رعاية آمنة"، يتيح البحث عن عيادات ومراكز طبية آمنة وصديقة للنساء.
وأكدت السعيد على أهمية مراعاة مشروع قانون المسئولية الطبية لمعايير النوع الاجتماعي، حيث لم تذكر المسودة حتى الآن أي بند بخصوص فكرة مراعاة النوع الاجتماعي، والانتهاكات التي تتعرض لها النساء داخل بعض أماكن تقديم الخدمات الصحية سواء العامة أو الخاصة، كما ان المسودة اغفلت كافة الانتهاكات الجنسية التي يمكن أن تحدث ضد النساء أثناء تلقي الخدمات الطبية، وبالتالي يجب على وزارة الصحة، ونقابة الأطباء تبني سياسات، وأليات، وإجراءات خاصة بمراعاة النوع الاجتماعى داخل هذه الأماكن.
والجدير بالذكر أن مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون كانت قد انتهت من إعداد مدونة السلوك المهني لمقدمي الخدمات الصحية بشأن التعامل مع النساء وخاصية الناجيات من العنف وتسعى إلى تعميمها من خلال وزارة الصحة المصرية على جميع المستشفيات، العيادات، والمراكز الطبية بالجمهورية.
ويعاقب على التحرش الجنسي قانون العقوبات المصري، وبحسب التعديلات الأخيرة التي أدخلت على أحكام القانون الخاصة بالتعرض للغير والتحرش الجنسي تعد الأخيرة جناية بدلًا من جنحة، فقد نصت المادة 306 مكرر أ منه، أن تكون "العقوبة السجن مدة لا تقل عن سبع سنوات، والغرامة لا تقل عن ثلاثمائة ألف جنيه ولا تزيد على خمسمائة ألف جنيه، حال إذا كان الجاني (...) له سلطة وظيفية أو أسرية أو دراسية على المجني عليه".
لكن لمياء لطفي، مديرة البرامج في مؤسسة المرأة الجديدة تشير إلى أن بعض النساء لا يفضلن اللجوء إلى قانون العقوبات لعدة أسباب، منها الخوف والتردد في إمكانية إثبات ما تعرضن له. مشيرة إلى أهمية وجود آلية تمكن النساء من الشكوى إداريًا، للتأكد على الأقل ما إذا كان الإجراء الذي قام به الطبيب أثناء الفحص ضروريًا أو انتهاكًا.