فيما لا يزال ملف الكهرباء يخضع للابتزاز السياسي، وسط احتدام الخلاف بين التيار الوطني الحرّ ورئيس حكومة تصريف الاعمال نجيب ميقاتي ورئيس مجلس النواب نبيه بري، حول تأمين سلفة الـ62 مليون دولار لتغطية شراء 66 ألف طن متري من الغاز أويل لصالح مؤسسة كهرباء لبنان، بهدف تأمين 10 ساعات تغذية للكهرباء، نجد أن اللبناني أنفق نحو 930 مليون دولار في العام 2022 على الطاقة الشمسية بحسب إحصاءات الجمارك.
فاللبناني الذي يتيقّن أنّ دولته عاجزة عن إجتراح حلول لأزمة عمرها اكثر من 20 عاماً، لن تنجح اليوم في ايجاد حل لأزمة الكهرباء وسط الازمات المستفحلة التي تعصف بالبلد، فلجأ كما هي العادة الى حلول فردية، فاستورد على نفقته الخاصة ألواحاً كافية لتوليد ما يقارب 2000 ميغاواط، ما كان سيسدّ جزءاً لا يُستهان به من حاجته إلى الطاقة في حال لم يكن هذا الحلّ فردياً، بل على مستوى الدولة.
اللافت في ارقام المستوردات، بحسب إحصاءات الجمارك، ارتفاع كل المعدات اللازمة لتركيب الطاقة الشمسية، وتتمثل خصوصاً بارتفاع مستوردات الواح الطاقة إلى 930 مليون دولار في العام 2022، مقارنة مع 54 مليون دولار في العام 2021، و2 مليون دولار في الفترة السابقة.
وارتفعت واردات البطاريات اللازمة لتركيب الطاقة الشمسية من 6.66 ملايين عام 2019 الى 43.72 مليون دولار عام 2022، كذلك زادت واردات المدخرات الكهربائية من 61.18 مليون دولار عام 2019 الى 293.85 مليون دولار عام 2022، والترانزيستورات من 7.08 ملايين دولار في 2019 إلى 411.94 مليون دولار في 2022. كذلك سُجّل ارتفاع لافت في واردات المولّدات الكهربائية من نحو 50 مليون دولار في 2019 و22.5 مليون دولار في 2020، إلى 80.27 مليون دولار عام 2022، كذلك ارتفعت واردات المحولات الكهربائية من 36.67 مليون دولار عام 2019 و 14.8 عام 2020، إلى 170.6 مليون دولار عام 2022
لا تختلف صورة استيراد البطاريات خلال العام الجاري عن تلك الخاصة بالألواح، إذ دخلت إلى لبنان سنة 2022 بطاريات وصلت قيمتها إلى 44 مليون دولار، وبالمقارنة مع عام 2021 ارتفع الاستيراد بنسبة 440% في حين لم تكن قيمته تتخطّى الـ10 ملايين دولار.
الرقم لن يبقَ مُستغرَباً، بعد نظرة واحدة في اتجاه أسطح الأبنية، حيث تتراصف الألواح الشمسية، ويكاد لا يخلو سطح منها، والمشهد نفسه يتكرر في العاصمة بيروت والمدن الرئيسية والقرى، ما يعني ان اللبناني أغنى من الدولة، ولم يعد ينتظر منها وعود العشر ساعات تغذية كهربائية، فأشعة الشمس أصدق من وعود وزراء طاقةٍ تناوبوا الفشل على مدار سنوات في وزارة كان من المرجح ان ترفد الدولة بمليارات الدولارات لو تمت ادارة ملف الكهرباء بشفافية وصدق، وأحسنوا الجباية في محتلف المناطق والوزارات والقصور المحسوبة على فلان وفلان.
إقبال اللبناني على تركيب الواح الطاقة الشمسية إن كان بالدين او بالقرض الميسر من مصرف الاسكان وغيره، كان نتيجة لاستقالة الدولة تماماً، وانهيار التيار الكهربائي الرسمي الذي انقطع لشهور في بعض المناطق الى جانب انقطاع المازوت خلال الصيف الماضي، ما أدّى إلى خنق الناس أكثر، مع انخفاض ساعات الكهرباء من مولّدات الكهرباء في الأحياء إلى الحدّ الأدنى، والدولرة الشاملة في فواتيرها، فكان تحويل الطاقة الشمسية إلى كهرباء هو الحلّ الوحيد للصمود.
ووفقاً لأحدث أرقام أصدرتها وزارة الطاقة والمياه، انتقل لبنان من بلد لا توجد به أيّ مشروعات للطاقة الشمسية في عام 2010، إلى ما يقارب 1000 مشروع لها في عام 2020، بقدرة إجمالية تصل إلى 100 ميغاواط.
علاوة على ذلك، أُضيفت 100 ميغاواط أخرى في عام 2021 وحده، ما يعني أن الأزمة الاقتصادية كانت هي المحرك الرئيس لنمو الطاقة المتجددة في لبنان، وليست سياسات الحكومة.
وانطلاقاً من هذه الارقام يتحدث خبراء الاقتصاد عن مفارقة "عجيبة" وهي أن اللبنانيين أنفقوا هذه الملايين من الدولارات لتأمين الطاقة الشمسية البديلة عن الكهرباء في حين أن ملف الكهرباء يحتاج الى أقل من هذا المبلغ لتأمين 24 ساعة من الطاقة الكهربائية للمواطنين.