الفرار من الكوليرا الى الخضروات " النظيفة": مزرعة نموذجية في بلدة الدوير كمثال

تحقيق مايا عدنان شعيب – خاص وكالة أنباء اسيا

2023.01.05 - 07:41
Facebook Share
طباعة

تتقاطر عشرات السيارات كل صباح الى منطقة " الوادي" في بلدة الدوير التي تحتوي فيما تحتويه مدرسة" أجيال" المعروفة في المنطقة. والملفت ان تلك الزحمة من العابرين صباحا لا تقصد المدرسة بل مزرعة نموذجية تشتهر بمياه بئر جوفي تحتويه تصلح للشرب. هي مزرعة خاصة لكنها ملجأ الهاربين من تلوث المزروعات بالاوبئة.


فبعدما تصدّرت أخبار الكوليرا وتتالي الاعتقالات التي طالت مزارعين يروون مزروعاتهم بمياه مبتذلة شعر سكان لبنان ومنهم سكان منطقة النبطية التي تقع بلدة الدوير في قضائها، شعروا بمخاطر التلوث الذي لحق بالقطاع الزراعي، لهذا أصبحت الزراعات النموذجية العضوية في مزرعة " شهد" الملجأ الوحيد والملاذ الآمن للمواطنين وهي سبيلهم لدرء خطر الأمراض و شبح الموت عنهم و عن أفراد عائلاتهم.

 


"مشروع شهد" في بلدة الدوير قضاء النبطية اكتسب ثقة السكان بسرعة كونه يستعرض قدرات مدراءه بالعين المجردة يوميا فباب المزرعة مفتوحة في كل ساعة لزوارها والري يحصل امام الاعين والمراقبين، بمياه صالحة للشرب من بئر تحتويه المزرعة. وبشروط صحية تراعي المعايير الدولية وليس المحلية فقط.

 


القيّمين على هذا المشروع هما كلّ من السيد محمد اسماعيل حطيط و علي محمد سلمان حطيط، وصفا المزرعة " بالاستراحة " الخاصة بالعائلات من توتر الملوثين والغشاشين. فكل من يأتي الى المزرعة سواء من تجار الجملة او من المشترين بالمفرق "يقصدوننا لثقتهم بانهم معنا محميين من كل الملوثات.
وللحق، يشهد عارفوا الرجلين في قريتهم، بانهما في مشروعهما لا يستخدمان لا الغش ولا المداهنة ولا الخداع. ويحرصان على ري المحاصيل بالمياه العذبة و على مراعاة الشروط البيئية و الصحية لسلامة الإنتاج و ضمان جودته وخلوّه من التلوث الذي يؤدي إلى الأمراض المعدية، فأصبح المشروع مقصداً لسكان البلدة و القرى المجاورة الذين يعتمدون على إنتاجه من خضار لغذائهم اليوميّ و لتجار البقالة الذين يأتون مع كل صباحٍ للتزود بالبضائع الطازجة لمحالهم بأسعار تنافس أسعار السوق المحلي و "حسبة الخضار" علما بأن الرجلين ( ابو اسماعيل حطيط وابو يعقوب حطيط) كانا قد كشفا في حديثهما مع مراسلة اسيا تشجيعِ الأهالي على استهلاك المحاصيل العضوية لا يتم بالكلام بل بخفض الاسعار وهذا ما يفعلانه مراعاة منهما للظروف الناس الإقتصادية.


الزراعة مغامرة مضمونة العواقب


عن بدايات المشروع التي كانت "مغامرة" حدثنا محمد اسماعيل حطيط؛ حيث بدأ العمل منذ عام و نيّف بإقامة خيمتين على أرض تقارب مساحتها ال 2600 مترًا مربعًا رغم الظروف الصعبة التي رافقت العمل من قلة الموارد الأساسية من ماء وكهرباء،فلم يصل التيار الكهربائي التابع للدولة إلى المشروع على الرغم من تقديمهم لطلبٍ في وزارة الطاقة في المحافظة و كذلك الأمر بالنسبة للمياه التي تعذر الاستفادة منها عن طريق مصلحة مياه لبنان الأمر الذي دفعهم إلى استحداثِ نظامٍ للطاقة الشمسية لتزويد المشروع بالكهرباء و بئرٍ ارتوازية تغطي حاجته لمياه الري و تسمح لهم بالاستفادة من الفائض عبر بيعه للإستخدام المنزلي، وتجدر الإشارة إلى أنّ المياه المستخرجة من البئر عذبة وقد خضعت للفحص في مختبرات وزارة الصحة فكانت النتيجة أنها عذبة تصلح للشرب أيضاً لخلوها التامّ من البكتيريا.


ومع توفر الماء و الكهرباء وإقبال المواطنين على استهلاك الإنتاج تطور المشروع شيئًا فشيئًا إلى أن وصل عدد الخيم الزراعية إلى 12 خيمةً مستوفية الشروط البيئية و الصحية التي تراعي السلامة العامة وجودة الغذاء.


عن سبب ذلك الإقبال والتشجيع من قِبل المواطنين سألنا السيد علي محمد سلمان حطيط (أبو يعقوب) الذي أفاد بأنّ المواطن لا يغفل عن التلوث المستشري في الأسواق لا سيما مع الظاهرة الكارثية الأخيرة للري بالمياه المبتذلة لدى الكثير من المزارعين الذين غاب عنهم الضمير المهني و الحس الإنساني، الذين يسعون للربح السريع و المكسب على حساب صحة المواطن وعلى سبيل المثال لا الحصر الري بمياه الأنهار الملوثة والتي تمتزج فيها المياه المبتذلة و الصرف الصحي ظنّاً من المزارعين أنها تساعد في ازدياد الإنتاج وهذا معتقد خاطىء حسب " أبو يعقوب" و لا يمتّ للحقيقة بصِلة، فنقاء المياه هو العنصر الأساس للحفاظ على جودة الإنتاج أضف إلى ذلك ما يتبعه من خطوات مرافقة للحفاظ على الثمار و الشتول من رعاية و مبيدات و أدوية زراعية وعن ذلك كان للشاب " يعقوب حطيط" مداخلة شرح لنا من خلالها آلية العمل و نظامه في المشروع وقال أن شركة Unifirtالرائدة في العالم الزراعي تشرف على تزويد "مشروع شهد" بالبذور المؤصلة و تحرص بالتعاون مع المهندسين الزراعيين القيمين عليه ومنهم المهندس محمود كوثراني على المتابعة الدورية لرش المبيدات الآمنة و بالطرق السليمة التي تضمن عدم تلوث الإنتاج من جهة و سلامة المحاصيل و خلوها من الأمراض الزراعية من جهة أخرى ، الأمر الذي يجعل استهلاك المنتوجات آمناً لصحة المواطن ما يبعد عنه خطر التسمم أو الإصابة بالأمراض المعدية الناتجة عنه، ودفع بالشركة إلى اتخاذ المشروع نموذجاً يحتذى على صعيد المشاريع الزراعية، على حدّ قول يعقوب حطيط، الذي شبّه عمله و أفراد أسرته في المشروع كالأم التي ترعى أطفالها وتحرص أن يكونوا في أفضل حال.


أما عن الإقبال الكثيف للمواطنين على استهلاك منتجات المشروع الزراعية والمشاريع المماثلة فقد عزا علي محمد حطيط" الأسباب إلى سببين أساسيّين:


السبب الأول هو وعي المواطن لمخاطر الزراعات الملوثة و التي لمس مؤخرًا نتائجها إثر اجتياح موجة الكوليرا و التيفوئيد البلاد، فحرص على اللجوء إلى المنتجات و المحاصيل الزراعية السليمة و الآمنة خوفاً على صحته و صحة أفراد أسرته.


أما السبب الآخر فهو مادي يعود إلى أن أصحاب المشروع قاموا بخطوة منافسة في السوق المحليّ فهم يبيعون الإنتاج بالجملة و المفرق بأسعار تنافس أسعار "الحسبة" و السوق، للتوفير وتخفيف الأعباء عن كاهل البقالين و المواطن على حدّ سواء.


وعن دور الجهات الرسمية من مجلس بلدي محلي أو وزارة في دعم هكذا مشاريع إنمائية نفى كل من القيمين على "مشروع شهد" أيّ دعم مادي أو معنوي قد حصلوا عليه من أي جهة رسمية كانت، بل على العكس تماماً فهناك بعض الأمور و الخطوات اللوجستية المفترض مواكبتها أثناء إقامة مشروع كهذا من قِبَل البلدية المحلية لم يحصلوا على تسهيلات أو تقديمات تدعم مشروعهم أو تخفف عنهم الأعباء! وعلى سبيل المثال لا الحصر، حدّثنا " يعقوب حطيط" كيف تأخر تزويدهم بكهرباء الدولة و تعذّر عليهم الإستفادة من المياه من "مصلحة مياه الليطاني"وغيرها من الخدمات التي من المفترض أن تقدمها الدولة لتشجيع المشاريع النموذجية التي تحرك عجلة الإقتصاد و تحافظ على صحة و سلامة المواطن وتدعم اليد العاملة المحلية.


وفي هذا السياق كان لنا حديث مع العضو السابق في بلدية الشرقية صافي عواركة الذي لفت الى أن العمل البلدي أساس في حماية صحة المواطنين وفي كبح الجرائم التي ترتكب في نطاق عمل البلدية وسلطتها، وكل البلديات يمكنها السيطرة على انتاج المزارع في نطاقها الجغرافي وعلى ضمان ان لا تروى تلك المزروعات بمياه ملوّثة و مبتذلة فمن يستطيع ضبط الابنية المخالفة ويسارع لقمعها يمكنه ايضا قمع المخالفات التي تضع صحة المواطن و حياته على المِحكّ.


وعن الشق القانوني الذي يتعلق بالعقوبات التي يطبقها القانون في حال ضبط المزارعون بجرم الري بمياه آسنة أو ملوثة تضيف نهاد عجاج بيطار الخبيرة القانونية فتقول أن ارتكاب جرم الري بالمياه المبتذلة قد تصل عقوبته الى ما يوازي محاولة القتل العمد كونه يسبب أمراضا معدية تؤدي الى الموت مثل الكوليرا.


أما عن الأسباب التي تدفع المزارعين إلى الري بالمياه الملوثة؟ عن ذلك يقول أحد المهندسين الزراعيين "نبيل مصطفى" الذي يعمل في شركة زراعية " أن الري بالمياه المبتذلة جريمة لكن كثيرين يرتكبونها لانهم يظنون ان الانتاج يتضاعف لكنها فكرة محض خيالية غير علمية بتاتا.


في بلدٍ لم يعد يقوى فيه المواطن على تحمّل المزيد من الأزمات، لابد من وعي فردي و جماعي وثقافةٍ بالحد الأدنى تساعده على إنقاذ عائلته و المحيط من الأمراض المعدية التي فتكت مؤخراً في البلاد مترافقةً مع أزمة نقص الأدوية و سبل العلاج وأزمة المستشفيات التي بات معظمها عاجزاً عن تقديم الخدمات العلاجية و الصحية للمرضى أضف إلى ذلك كلّه الكلفة الباهظة للاستشفاء و التي يعجز المواطن عن دفعها، لا بدّ هنا من استحضار المقولة الشهيرة أنّ "درهم وقايةٍ خيرٌ من قنطارِ علاج" 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 8