في قضية هزت مصر والرأي العام وفضحت غياب دور الدولة في الرقابة على دور الحضانات الخاصة في مصر، أزيح أولياء أمور وعاملات داخل حضانة cradle 2 cryon بوسط محافظة الإسكندرية إحدى محافظات مصر، الستار عن حفلات تعذيب وانتهاكات جسدية تعرض لها الأطفال، داخل الحضانة.
تسجيل صوتي لطفلة في عمر العامين والنصف في حالة من الفزع والصراخ أثناء تعرضها للتعذيب والضرب على يد مديرة الحضانة (سارة.ز)، كان بداية الخيط لتوالي شهادات الانتهاكات المختلفة والمرعبة التي شهدتها جدران الحضانة في حق الأطفال.
وكانت نيابة باب شرقي في الإسكندرية، قد قررت تجديد حبس مديرة الحضانة الخاصة غير المرخصة 15 يومًا احتياطيا على ذمة التحقيقات، بعد أن أمرت بحبسها احتياطيًّا على ذمة التحقيقات "لاتهامها بالاعتداء على أطفال بالضرب، وتعريض حياتهم للخطر، وإدارتها الحضانة قبل الحصول على ترخيص بذلك".
وقالت النيابة في بيان إنها "استمعت لشهادة 4 من أولياء أمور الأطفال بالحضانة الذين أكدوا ديمومة تعدى مديرتها على بنيهم ضربًا وصفعًا، ما أحدث بهم إصابات.
حفلات تعذيب داخل حضانة الإسكندرية:
تروي سارة مصطفى والدة الطفلة كاميليا، بطلة التسجيل الصوتي التي تعرضت للضرب على يد مديرة الحضانة؛ أن القصة بدأت حينما تواصل أحد أولياء الأمور مع أحمد زوجها، وأخبره عن تعرض الأطفال للضرب والتعذيب داخل الحضانة، وأن لديه دليل مادي على ما يحدث داخل الحضانة
وأضافت في روايتها لوكالة أنباء آسيا، كان هذا الحديث الخميس قبل الماضي في الأول من ديسمبر/ كانون أول، وفي صباح اليوم التالي الجمعة، أرسل لنا ولي الأمر تسجيل صوتي لتعرض أحد أطفال الحضانة للضرب والتعذيب على يد مديرة الحضانة وهي تلقنها بعض التعليمات بطريقة وحشية، وتعرفت من التسجيل على صوت ابنتي كاميليا، هذا بالإضافة إلى أنه في أخر التسجيل مذكور اسمها وهو ما أكد لي أنه صوت بنتي. مشيرة إلى أنها لم تكن على علم بأن الحضانة غير مرخصة، وأن الحضانة تعد من أغلى الحضانات في مدينة الإسكندرية إذ تبلغ مصاريفها الشهرية 3150 جنيه مصري ما يعادل (128.22 دولار) بدون طعام، و 142.47 دولار بالطعام.
واستكملت والدة الطفلة كاميليا حديثها:" صباح السبت توجهنا ومعنا أولياء الأمور إلى النيابة واللي بدورها وجهتنا لقسم الشرطة التابع للحضانة وحررنا محاضر ضد مديرة الحضانة، والأمر الآن أصبح في يد النيابة العامة التي تجري تحقيقاتها".
من جانبه يروى محمد تاج الدين أحد أولياء الأمور ما تعرض له ابنه داخل الحضانة قائلا:" أنه بعد مرور فترة من ذهاب ابنه للحضانة، بدأ يلاحظ عليه تدهور حالته النفسية، وأنه يستيقظ مفزوعاً من نومه، وتطور الأمر إلى تعرضه للتبول اللا ارداي".
وأضاف:" أن نجله كان يعود من الحضانة بكدمات في أماكن متفرقة من جسده، وحين سأل مسؤولي الحضانة عن سببها، كانوا يزعمون أنه سقط أو تعرض للكدمة أثناء اللعب".
واستطرد ولي الأمر في حديثه لوكالة أنباء آسيا:" اكتشفت ما يحدث في الحضانة عندما تواصل معي أولياء أمور أثناء تواجدهم بالنيابة العامة لتقديم بلاغات بعد اكتشاف حفلات الضرب والتعذيب التي تعرض لها الأطفال من مديرة الحضانة".
وأشار إلى أن هناك مُدرسة استقالت من الحضانة، ورفضت الاستمرار بها بعد اكتشافها تلك الوقائع، وهي التي قامت بتسجيل صراخ الأطفال أثناء ضربهم وتعذيبهم. مشيرا إلى أن المدرسة المستقيلة أرسلت لأولياء الأمور تسجيلات مرعبة للأطفال أثناء تعرضهم للضرب والتعذيب.
وأختتم ولي الأمر روايته:" بأن أحد الأطفال تعرض لجرح قطعي في رأسه ( دماغه اتفتحت) منذ 5 أشهر، وبررت مديرة الحضانة حينها الموقف بأن الطفل تعرض للدفع من أحد الأطفال بالحضانة أثناء اللعب، لكن المُدرسة المستقيلة أكدت بأن مديرة الحضانة المتهمة هي من أحدثت هذا الجرح أثناء تعديها بالضرب على الطفل بوحشية، إذ أمسكت برأسه وقامت بخبطها في الحيط".
أما سارة هاني المدرسة المستقيلة التي قامت بالتسجيل الصوتي للأطفال أثناء تعرضهم للضرب والتعذيب قالت:" عملت داخل الحضانة لمدة عام كمدرسة للغة الإنجليزية، ولكنني تركتها بسبب تصرفات ومعاملة المديرة للأطفال".
وتابعت في حديثها لوكالة أنباء آسيا:" شهدت الكثير من تعرض الأطفال للضرب والتعذيب على يد مديرة الحضانة، لكن الأزمة أنه كان محظور علينا التعامل مع أولياء الأمور وفي حال التواصل مع أحدهم كانت تحدث مشكلة ".
وأضافت بأن مديرة الحضانة كانت تضرب الاطفال ضرب مبرح على رؤوسهم وتقوم برفعهم من على الأرض من شعورهم وآذانهم. وكشفت أنها حاولت إثناء مديرة الحضانة عن هذا السلوك، لكنها لم تكن تقبل برأي أحد وكان ترد عليهم " أنتوا مش فاهمين حاجة أنا ربيت أجيال".
كما كشفت المُدرسة أيضا عن بعض وقائع مروعة أخرى حدثت للأطفال وشاهدتها أثناء فترة عملها في الحضانة.
طلبات إحاطة بالبرلمان والتضامن تنفي الصلة:
من جهته، تقدم عضو مجلس النواب أمين الشؤون البرلمانية عن محافظة الإسكندرية محمد البدري، بطلب إحاطة إلى الدكتورة نيفين القباج وزيرة التضامن الاجتماعي، بشأن غياب الدور الرقابي للوزارة المنوط بها التفتيش، وتشديد الرقابة الدورية على كافة الحضانات الموجودة بالإسكندرية.
وجاء في طلب الإحاطة، أن غياب الدور الرقابي أدى إلى حدوث كارثة بسبب حدوث ممارسات تعذيب واعتداءات جسدية وانتهاكات لأطفال حضانة cradle 2 cryon بوسط الإسكندرية، في واقعة تعد من أعنف الممارسات الإجرامية التي تمارس ضد الأطفال في عمر الزهور داخل دور الحضانة بالمحافظة.
وحذر طلب الإحاطة من انعكاس الأمر على سلوكيات تلك الأطفال في المستقبل، وضرورة إحاطة المجلس في أسرع وقت بكافة الإجراءات التي اتخذتها وكالة الوزارة بالإسكندرية، لغلق وإلغاء رخصة هذه الحضانة وتحويل أصحاب الحضانة والقائمين عليها والمتسترين على ما بداخلها من انتهاكات للنيابة العامة تمهيدًا لإجراءات قانونية تصعيدية حيالهم.
وطالب النائب بضرورة إحاطة المجلس الموقر بأسباب القصور الرقابي للوزارة بالمحافظة في مراجعة اشتراطات الترخيص وسير العمل لهذه الحضانات وإلغاء تراخيص أي حضانة غير مستوفية لتلك الشروط فورا دون إبطاء.
لكن المفاجأة كانت في أن وزارة التضامن الاجتماعي كشفت أن الحضانة غير مرخصة من الأساس ولا تخضع لإشرافها.
وبحسب مديرة مديرية التضامن الاجتماعي بمحافظة الإسكندرية ماجدة جلالة، فإنه بعد التحقيق تبين أن الحضانة تحمل اسم «كريدل تو كريون»، ليست تابعة لوزارة التضامن وغير حاصلة على رخصة من الوزارة ولا تتبعها، والمقر حاصل على رخصة مركز تنمية مهارات أطفال، وتابع للغرفة التجارية وليس لوزارة التضامن الاجتماعي. لافتة إلى أنه تم إبلاغ النيابة العامة بباب شرق الجزئية بهذا المضمون لاتخاذ اللازم حيال الواقعة المذكورة.
في المقابل أفادت الغرفة التجارية المختصة "بمخالفة الحضانة لشروط السجل التجاري الصادر لها؛ لاستقبالها أطفالًا أقل من 4 سنوات، بالمخالفة لطبيعة نشاطها الصادر بتنمية مهارات الأطفال المتجاوزين لهذه السن".
حضانة الإسكندرية ليست الأولى:
رغم بشاعة الواقعة وقسوة التفاصيل التي تعرض لها الأطفال داخل حضانة الإسكندرية، من ضرب وحشي وسوء معاملة وانتهاك ممنهج، تسلط الواقعة الضوء على فوضى دور الحضانات في مصر وعدم الإشراف والرقابة والمتابعة. إذ أن ما تعرض له الأطفال داخل هذه الحضانة ليس الأول من نوعه فعلى مدار السنوات الماضية أزيح الستار عن وقائع تعذيب وانتهاك يتعرض لها الأطفال داخل الحضانات.
ففي أكتوبر/ تشرين أول الماضي، قضت محكمة جنايات بنها، بالسجن المشدد لمدة 7 سنوات، لعاملة بحضانة بدائرة مركز شرطة الخانكة بمحافظة القليوبية، لاتهامها بالتعدي بالضرب على طفل، حتى لفظ أنفاسه الأخيرة، وتوجيه تهمة ضرب أفضى لموت.
وتضمن أمر الإحالة الخاص بالقضية رقم 23838 لسنة 2020 جنايات مركز الخانكة، والمقيدة برقم 2574 لسنة 2020 كلي شمال بنها، أن المتهمة "نورة م م"، 31 سنة، عاملة بحضانة، ضربت الطفل "م أ"، 4 سنوات، داخل أحد حضانات تعليم الأطفال، وأفضي هذا التعدي إلى وفاة المجني عليه ولفظ أنفاسه الأخيرة على النحو المبين بالتحقيقات.
وفي عام 2017، انتشرت صورة صادمة لأطفال بمنطقة 15 مايو بالقاهرة، حيث تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي صورة لأطفال ينامون على الأرض، ويتعرضون لإهمال شديد داخل إحدى الغرف، وتبين بعد ذلك أنها حضانة غير مرخصة، وعبارة عن شقة سكنية بالدور الأرضي مكونة من غرفتين وصالة، وحمام ومطبخ، ومخالف المواصفات الفنية التي حددها القانون، مما يعرض 39 طفلا وطفلة من سن 2 الى 8 سنوات بداخلها للخطر.
وفي نوفمبر/ تشرين ثاني لعام 2018، أصدرت مديرية التضامن الاجتماعي بالإسكندرية قرارا بغلق مؤقت لحضانة جنة الطفل السعيد، بعد انتشار فيديو لإساءة معاملة أحد الأطفال بالحضانة تحت عنوان (تعذيب أطفال بحضانة بفكتوريا) على وسائل التواصل الاجتماعي.
المتابعة والتقييم دور الدولة الغائب:
يرى إسلام عبد الرحيم مدرب واستشاري في سياسات الحماية للطفل، أن هناك غياب لدور الدولة في المتابعة والتقييم لدور الحضانة في مصر، وهو ما يفتح المجال أمام فوضى دور الحضانات في مصر ويسمح بإنشاء واستمرار الحضانات غير المرخصة في العمل.
وأضاف في حديثه لوكالة أنباء آسيا، أنه إذا كانت وزارة التضامن الاجتماعي تقوم بدورها وتشن حملات مستمرة على دور الحضانة كان سيتم اكتشاف الحضانات غير المرخصة أو المخالفة أو ما يحدث بداخلها انتهاكات وسيتم إغلاقها على الفور، لكن غياب الدور الرقابي سمح بزيادة رقعة الانتهاكات داخل الحضانات، وزيادة عدد دور الحضانات غير المرخصة.
وأشار إلى أن أولياء الأمور يتحملون جزء كبير من المسؤولية في متابعة أطفالهم والتأكد من عدم تعرضهم للإيذاء في أي مكان سواء تعليمي أو رياضي أو غيره.
وأوصى استشاري سياسات الحماية بأن هناك بعض الأشياء لابد من توافرها في دور الحضانة والتأكد من أنها بيئة آمنة على الأطفال؛ على سبيل المثال، على ولي الأمر زيارة دور الحضانة في منتصف اليوم الدراسي، وطلب مشاهدة الطفل من خلال كاميرات المراقبة، ضرورة وجود مدونة سلوك تتضمن العقاب وطرق التعامل مع الأطفال وموقعة من جميع العاملين بالحضانة ومعلقة على إحدى جدران الحضانة.
وأضاف في بداية الالتحاق لابد أن يذهب الطفل أولا على سبيل الاستضافة لساعات أو يومين ونبدأ في متابعة الطفل، وعقب التحاق الطفل بالحضانة يجب على ولي الأمر المتابعة والرقابة والتقييم وخصوصا إذا كان الطفل لم يكمل العامين لأنه في هذه الحالة لن يستطيع شرح ما يتعرض له جيدا، وبالتالي لابد من فحص جسد الطفل ظاهريا بمجرد استلامه من الحضانة والتأكد من أن سلوكه معتاد ولم يطرأ عليه أي تغير مثل العدوانية أو الخوف أو الفزع، وإذا لاحظ ولي الأمر تغير في سلوك الطفل يعني هذا تعرضه لأمر غير معتاد وفي الغالب انتهاك داخل دور الحضانة.
من جانبه يقول المحامي ياسر سعد هناك مواد في قانون الطفل المصري لمواجهة كافة الاعتداءات التي يتعرض لها الأطفال، حيث نصت المادة 96 من قانون الطفل المصري على أنه "يعد الطفل معرضاً للخطر، إذا وجد في حالة تهدد سلامة التنشئة الواجب توافرها له، في حالة، إذا كانت ظروف تربيته في الأسرة، أو المدرسة، أو مؤسسات الرعاية أو غيرها من شأنها أن تعرضه للخطر أو كان معرضاً للإهمال أو للإساءة أو العنف أو الاستغلال أو التشرد".
وأضاف في حديثه لوكالة أنباء آسيا، كما حدد قانون الطفل موادًا لمواجهة كافة أنواع الاعتداء البدني على الطفل فذكرت المادة 116 مكرر من قانون الطفل إنه يزداد بمقدار المثل الحد الأدنى للعقوبة المقررة لأي جريمة إذا وقعت من بالغ على طفل، أو إذا ارتكبهـا أحد والديه أو من له الولاية أو الوصاية عليه أو المسؤول عن ملاحظتـه وتربيتـه أو مـن لـه سـلطة عليـه أو كان خادما عند من تقدم ذكرهم.
وتابع أن المادة 44 من قانون الطفل حددت العقوبة لمخالفة شروط انشاء الحضانة، فذكرت إنه يعاقـب بـالحبس وبغرامـة لا تقـل عـن خمسـمائة جنيـه ولا تتجـاوز خمسـة آلاف جنيـه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من أنشأ أو أدار داراً للحضانة أو غير في موقعها أو مواصفاتها قبل الحصول على ترخيص من السلطة المختصة.
مختتماً بأن قانون العقوبات نص:" على أن كل من جرح أو ضرب أحدا عمدا أو إعطاء مواد ضارة ولم يقصد من ذلك قتلا ولكنه أفضى إلى الموت يعاقب بالسجن المشدد أو السجن من ثلاث سنوات إلى سبع، وأما إذا سبق ذلك إصرار أو ترصد فتكون العقوبة السجن المشدد أو السجن، وهذه العقوبة تنطبق أيضا على الجرائم التي تنتهك حق الأطفال".