آثر حرب أوكرانيا على الأمن الغذائي فى الشرق الاوسط:
إن الاقتصادات الأشد فقرا لاسيما في أفريقيا والشرق الأوسط تعتمد اعتمادا كبيرا على الواردات الغذائية من روسيا وأوكرانيا، إذ يستورد ما يصل إلى 30 اقتصاداً أفريقيا وعربيا ما لا يقل عن ثلث احتياجاتها من القمح من هذين البلدين، ونحو 20 بلدا منهم ترتفع هذه النسبة إلى أكثر من 50%، مما أثر على العديد من دول العالم باضطرابات نقص الحبوب في أعقاب الحرب، فقد أصابت الحرب واردات المواد الغذائية بالشلل، لكن دول الشرق الأوسط كانت من بين أكثر البلدان تضررًا.
إذ أن لبنان يستورد من أوكرانيا وروسيا أكثر من 90% من احتياجاته من الحبوب، فقد تعرضت لبنان اقتصاديًا لضربة قوية من الاضطرابات عقب الحرب، وبات احتياطاته من الحبوب لا تكفي إلا لمدة شهر تقريبا مما تُنذر الأزمة الأوكرانية بتعريض أمن لبنان الغذائي لخطر بالغ.
ويستورد اليمن نحو 40% من احتياجاته من القمح من هذين البلدين المتحاربين، يعاني سكان اليمن من نقص حاد في الأمن الغذائي قفز من 15 مليوناً إلى أكثر من 16 مليوناً في ثلاثة أشهر فقط في أواخر عام 2021 مما ينذر بالدخول في مجاعة شديدة.
وتعد مصر أكبر مستورد للقمح في العالم، حيث تأتي نسبة 80% من وارداتها من القمح من روسيا وأوكرانيا بخلاف دولاً أخرى، وقد بدت علامات نقص الإمدادات واضحة بالفعل، فعلى سبيل المثال ارتفعت أسعار الخبز بنسبة تزيد عن 60%.
كما تأتي على رأس البلدان الهشة بالفعل دولة سوريا حيث تستورد نحو ثلثي احتياجاتها من المواد الغذائية، ويأتي معظم وارداتها من روسيا.
مما يعني أن أكثر المناطق تضررا هي تلك المعتمدة على القمح الروسي والأوكراني، وأن للحرب الروسية الأوكرانية تداعيات مفجعة على بعض بلدان الشرق الأوسط، وهو ما يهدد بالضرورة أمنها الغذائي بشكل حاد، ولا نبالغ على الإطلاق حين نقول أن الأمر قد يصل للمجاعات إذا لم يتم تعزيز المساعدات الإنسانية لتلك الدول في أسرع وقت، وعلينا الوعي بأن المنطقة بها أكثر من 20% من الذين يعانون من نقص حاد في الأمن الغذائي في العالم وفقا لفريد بلحاح نائب رئيس مجموعة البنك الدولي، خاصة مع فقدان مصادر القمح وصعوبة العثور على بدائل.
الآثار الاقتصادية الناتجة عن الحرب الروسية الأوكرانية في دول الشرق الأوسط
ارتفعت أسعار الطاقة والحبوب والمواد الأولية بصفة عامة منذ اندلاع الحرب حيث قفزت أسعار السلع العالمية إلى أرقام كبيرة تصل في زيادتها إلى 70%، ولكن القمح بشكل خاص، والذي يعد أحد المواد الأساسية في العديد من البلدان النامية فقد ارتفع بنسبة تزيد عن 40% منذ الغزو الروسي لأوكرانيا في أواخر فبراير/ شباط، ويُرجح أن تواجه المنطقة آثارا متوالية فادحة من ارتفاع أسعار الغذاء بالإضافة لضيق الأوضاع المالية العالمية.
وكان لارتفاع الأسعار العالمية أثراَ بالغا على المستوى المحلي ومستوى الأفراد في دول الشرق الأوسط، كما ساعدت سوء جودة الإنفاق العام على زيادة معدلات التضخم في تلك البلدان.
وبحسب أحد تقاريرالبنك الدولي" مقابل كل زيادة قدرها 1% في أسعار المواد الغذائية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، قد يصبح نحو نصف مليون شخص إضافي في عداد الفقراء "
فقد وصل معدل التضخم في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى 15 % في 2021، كما تشهد بعض بلدان المنطقة معدلات تضخم مرتفعة مثل لبنان (154%)، واليمن (30%) وفقاً لأحدث تقارير صندوق النقد الدولي الصادرة في عام 2022، مما أسرع من دخول تلك الدول في أزمات اقتصادية مفجعة.
وفى محاولة لتتجاوز تلك البلدان التضخم المتزايد بوتيرة عالية لجأت لسياسات اقتصادية مثل زيادة الإنفاق العام، ومع إقدام بعض البنوك المركزية الكبرى على رفع أسعار الفائدة لاحتواء التضخم، ومع توالي الأزمات الاجتماعية والاقتصادية علاوة على انخفاض الدخل العام لتلك البلدان مما فرض ضغوطا كبيرة على حسابات المالية العامة الضعيفة بالأساس وكلها عوامل تسببت في اتساع معدلات عجز الموازنة والتي أودت بتلك الاقتصادات في بئر الاستدانة.
ويشكل تفاقم مستويات الديون السيادية أهم التحديات التي تعرقل النمو الاقتصادي، حيث تعجز الحكومات المثقلة بالديون عن تحمل تكلفة المنافع العامة مثل الصحة والتعليم، والعدالة الاجتماعية، بالإضافة لعدم قدرتها على دعم السوق المحلي.
يتضح ذلك في توقعات صندوق النقد الدولي بشأن الانفاق أن الصدمة ستشمل الناتج الداخلي الاجمالي لـ 143 دولة في 2023 بما يعادل 85 % من سكان العالم حيث تقوم بخفض الإنفاق العام منهم 94 دولة نامية، وذلك لمواجهة ازمة الديون.
وبسبب ارتفاع كلفة أداء الدين والرسوم الاضافية على الديونوتصاعد أسعار الفائدة العالمي بات العديد من الدول في مأزق حقيقي، حيث تضرر 6.3 مليار شخص في 2021 أي ما يعادل أكثر من 80% من سكان العالم، ومن المحتمل أن يرتفع هذا العدد إلى 6.7 مليار شخص في 2023.
وفى الشرق الاوسط على سبيل المثال، من المتوقع أن تنفق مصر حوالي 8.1 مليار دولار على الرسوم الإضافية بنهاية عام 2024 وهو مبلغ أكبر بثلاث مرات من تكلفة توفير لقاحات لجميع المصريين بقيمة 600 مليون دولار، وفي تونس وباكستان تشكل الرسوم الإضافية ثلث ميزانية قطاع الصحة خلال الجائحة.
ومن السابق ذكره نرى أنه، للرسوم الإضافية آثار سلبية عديدة فهي تستنزف الإنفاق الحكومي في البلدان التي تكافح بالأساس من أجل مواجهة الوباء والأزمات المناخية وصعوبات اقتصادية ومحاربة الفقر، وبالفعل ارتفع عدد البلدان النامية التي تؤدي رسوما إضافية من 9 إلى 16 منذ بداية الجائحة، وبحلول 2025 يتوقع صندوق النقد الدولي ارتفاع هذا الرقم إلى 38 دولة!
بات من الواضح أن العالم اليوم يواجه وباء جديدا اسمه الديون والذى أجبر الحكومات على تبني ممارسات تقشفية في وقت تتنامى فيه احتياجات الشعوب والاقتصادات بشكل كبير.
وفى دراسة أجرتها مبادرة حوار السياسات في جامعة كولومبيا مع آراب واتش والنقابات العمالية العالمية ومنظمات المجتمع المدني، أشارت لكارثة تقشف قادمة، حيث تفرض معظم الحكومات تخفيضات في الموازنات العامة في الوقت الذي يكون فيه مواطنوها واقتصاداتها في أمس الحاجة للدعم العام، يؤكد التقرير أنه من المتوقع إجراء تخفيضات في ميزانية 154 دولة، وسيصل إلى 159 دولة بحلول 2023، مما سيؤثر على 6.6 مليار شخص، ومن المرجح أن يستمر هذا التوجه حتى سنة 2025 على الأقل.
وفي هذا السياق الصعب، فإن استمرار صندوق النقد الدولي في فرض رسوم غير ضرورية على الدول التي تواجه صعوبات في أداء الديون يعد انتهاكا للقانون الدولي لحقوق الإنسان وأن هذه الممارسات تمثل تمييزا بين الدول وتنتهك مبدأ المساواة.
ومن المؤسف تجاهل النداءات المتكررة للخبراء ومنظمات المجتمع المدني والحكومات من أجل قيام صندوق النقد بمراجعة عاجلة للرسوم الإضافية التي يفرضها على الديون والتفكير بجدية في إلغاء هذه السياسة.
الحلول والبدائل العاجلة لوقف الأزمة:
إن صندوق النقد الدولي مطالب بالاعتماد على مصادر تمويل أكثر عدلا وأقل ضررا، مثل مساهمات حقوق السحب الخاصة من البلدان ذات الدخل المرتفع أو إجراء تقييم لجزء من احتياطاته من الذهب، والتوقف عن التربح من عملية إقراض الدول التي تعاني بالاساس.
إلغاء الرسوم الاضافية غير العادلة التي يفرضها صندوق النقد الدولي، حيث أنها تفرض على دول تواجه تحديات اقتصادية صعبة مما يضعف من فرص الانتعاش الاقتصادي لتلك الدول، والحرص وأن ينسجم الصندوق مع أهدافه.
وإن تضع المؤسسات التمويلية الكبرى ومنها صندوق النقد الأولوية للسياسات التي تعزز من مبدأ العدالة، وأن يوقف سياسات التقشف ولا يدعمها واعتبارها سياسات مميتة وغير إنسانية.
وأن يطور صندوق النقد سياساته بأن يدعو لإشراك المواطنين بشكل أكثر فاعلية باعتبارهم أصحاب المصلحة وأبسط حقوقهم هو حق تقرير المصير.
ويجب أن تكون الخطوة الأولى هي تعزيز المساعدات الطارئة للبلدان المعرضة للخطر، وأن تذهب المساعدات للسكان بشكل مباشر، والحفاظ على استمرار تدفق تجارة المواد الغذائية وإنشاء نظام غذائي يوفر الحماية ويكون أكثر قدرة على الصمود أمام الأزمات.
فضلا عن توسيع "الإطار المشترك" ليشمل جميع البلدان المثقلة بالديون ومن الضروري للغاية زيادة الوضوح بشأن الطريقة والخطوات المختلفة والإطار الزمني لتنفيذ تلك المبادرة.