منذ عام 1992 شهدت العلاقات بين روسيا والصين تطورا كبير، وذلك عندما زار الرئيس الروسي الأسبق بوريس يلتسن بكين، ثم جاءت قمة بكين عام 1996، لتعطي دفعة قوية للعلاقات بين البلدين، وتُرسي دعائم الشَّراكة الاستراتيجية بينهما، بعد النجاح في تسوية مشاكل الحدود بصورة نهائية، وذلك بعد الاتفاقيتين المتعلّقتين بالحدود الشرقية عام 1991، والحدود الغربية عام 1994. ولاحقاً، نمت العلاقات من خلال اتفاق على مواجهة الأطماع الأميركية، وتفرد واشنطن بالقرار العالمي.
ومنذ سيطرة روسيا شبه جزيرة القرم الأوكرانية وضمها عام 2014، وما تلا ذلك من عقوبات على موسكو، عززت العلاقات بين موسكو وبكين بشكل كبير.
وفي 4 فبراير/شباط من العام الجاري، أعلنت الصين وروسيا، مولد شراكة استراتيجية عميقة، هدفها تحقيق التوازن مع ما وصفته الدولتان بالتأثير "الخبيث" للولايات المتحدة في العالم. وجاء هذا الإعلان وسط مشهد انطلاق الألعاب الأولمبية الشتوية في بكين، الذي استضاف فيه الرئيس الصيني شي جينبينج نظيره الروسي فلاديمير بوتين، في لقاء هو الأول الذي يجمع بينهما وجهاً لوجه، منذ بداية وباء كوفيد-19، قبل عامين تقريباً، بينما غاب عن هذا المشهد قادة وزعماء الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا وأستراليا واليابان وعدد آخر من الدول، احتجاجاً على سجل الصين في مجال حقوق الإنسان.
في المقابل تسعى واشنطن إلى الحفاظ على موقعها المتميز في النظام العالمي، كما تعمل على محاصرة روسيا بالعقوبات والضغط على الصين حتى تدفع ثمن دعمها الاقتصادي والسياسي لروسيا في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية.
في تحليل سياسي نشرع الكاتب الصحافي "William Mauldin"على موقع "WSJ"، قال تتطلَّع الولايات المتحدة إلى جعل الصين تدفع ثمن العلاقات الوثيقة مع روسيا في أزمة أوكرانيا، حيث يقول المسؤولون الأمريكيُّون إنَّ العقوبات ومناقشات الأمم المتَّحِدة، تهدف جزئيًا إلى جعل بكين تشعر بعدم الارتياح بشأن الغزو الروسي وتقسيم الاثنين، وأن هجوم روسيا واسع النطاق على أوكرانيا يمثل فرصة لإجبار الصين على الاختيار بين الوقوف إلى جانب روسيا، والحفاظ على علاقات اقتصادية قيمة مع أوروبا والولايات المتحدة وأجزاء أخرى من العالم.
ووفقا لتقارير صحفية فإن الإجراءات الاقتصادية العقابية المفروضة على روسيا، وخاصة ضوابط التصدير على بعض التقنيَّات، من المحتمل أن تضرب الصين، إذا حاولت شركاتها وبنوكها مساعدة موسكو، وذلك وفقا لما صرح به مسؤول في وزارة الخارجيَّة الأمريكيَّة، حيث قال :" إذا أرادت الصين أو أي دولة أخرى الانخراط في نشاط قد يخضع لعقوباتنا، فإنَّها ستخضع لعقوباتنا".
وفرضت واشنطن والدول الغربية سلسلة عقوبات على روسيا تهدف إلى شل قطاعها المصرفي وعملتها الوطنية، بعد شنها هجوماً عسكرياً على أوكرانيا. وقضت العقوبات بصورة خاصة باستبعاد العديد من المصارف الروسية من نظام «سويفت»، الذي يلعب دوراً مركزياً في المالية العالمية، إذ يسهل الحوالات بين المصارف.
ويوصف هذا الإجراء بالتالي بأنه «سلاح ذري» على الصعيد المالي، وفق ما ذكرته وكالة الصحافة الفرنسية. وتعارض الصين أي عقوبات على موسكو، وهي بالأساس امتنعت عن التنديد بالهجوم على أوكرانيا، رافضة وصفه بـ«الغزو».
وتدفع الولايات المتحدة باتجاه إجراء مناقشة في الجمعية العامة للأمم المتحدة, بشأن قرار يهدف لفصل روسيا عن الصين، وقال المتحدِّث باسم وزارة الخارجية الصينيَّة "وانغ وين بين" في بكين الأسبوع الماضي: "إن الدول التي فقدت مصداقيتها حقًا هي تلك التي تريد فقط التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى وشن الحروب باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان".
فالوفاق بين بكين وموسكو يمثِّل تحديًا جيوسياسيًا للولايات المتحدة، ما قد يتطلب من واشنطن الاستعداد للصراع على طرفي القارة الأوراسية.
إلى جانب هذا يبدو أن العقوبات والإجراءات التي يتخذها الحلفاء الأمريكيون والأوروبيون ضد روسيا، تستخدم أيضًا "كإشارة إلى بكين" لما قد تواجهه إذا حاولت مهاجمة تايوان.
وقالت "بوني جلاسر"، مديرة برنامج آسيا في مؤسَّسة مارشال الألمانيَّة، إذا مضت الإدارة في طريق السعي لتقسيم روسيا والصين، "يمكننا أن نجعل الصين تشعر بعدم الارتياح الشديد، وربما نعيد التفكير في مزايا الاقتراب من موسكو"، بدورها تراقب واشنطن لترى ما إذا كانت المؤسَّسات المالية الصينية ستحاول سد النقص في التمويل، أو ما إذا كانت شركات التكنولوجيا الصينية ستسعى إلى الالتفاف حول قيود جديدة على الصادرات إلى روسيا.
في المقابل؛ قالت صحيفة "وول ستريت جورنل" إن الصين التي كانت تقول في الماضي إن "صداقتها مع روسيا لا حدود لها"، أجبرها الغزو الروسي لأوكرانيا على إعادة ضبط سياستها الخارجية مع ما يتوافق مع مصالحها.
وتنقل الصحيفة أن الرئيس الصيني، شي جين بينغ، كان هدفه من الاصطفاف مع الرئيس فلادمير بوتين، تشكيل جبهة موحدة ضد الولايات المتحدة الأميركية. لكن بكين ترى أن الغزو الروسي الحالي لأوكرانيا يجبرها على ضبط سياستها الخارجية حتى لا تخاطر بالإضرار أكثر بعلاقاتها مع واشنطن.
وبحسب الصحيفة، يتخوف المسؤولون الصينيون من أن يكون للتقارب مع روسيا عواقب على حساب علاقات بكين بدول أخرى.