يعيش لبنان أزمة اقتصادية طاحنة بعد أن تراكمت الديون على الحكومات المتعاقبة في أعقاب الحرب الأهلية التي دارت رحاها بين 1975 و1990، و استفحلت الأزمة الاقتصادية في لبنان خلال الأعوام القليلة الماضية.
وصعبت الأزمة الاقتصادية الأمر على أصحاب المدخرات، الذين أصبحوا عاجزين عن سحب أموالهم بعد أن حالت الأزمة بينهم وبين حساباتهم بالعملات الصعبة أو قيل لهم إن الأموال التي يمكنهم السحب منها الآن لم تعد تساوي سوى جزء صغير من قيمتها الأصلية. لهذا السبب أصبح الكثير من اللبنانيين يعلقون أمالهم في العالم الرقمي.
ويقول ماريو عوض التاجر للعملات المشفرة في هذا المجال منذ خمس سنوات"في الواقع، يشتري الجميع مني: الطلاب وذوي الدخل المتوسط والأثرياء. الكل يريد الاستثمار في العملات المشفرة". ويتابع:" يتم تداول العملات كملفات إذا صح التعبير. وما يميزها أنه يتم تخزينها بشكل لا مركزي. ولا تخزن في بنوك كبيرة، ومروجيها يرون في هذه الخاصية ميزة كبيرة".
من جانبه يرى هنري شاول الخبير المالي المتخصص في الجهاز المصرفي في لبنان، أن المشكلة الرئيسية هي أن سعر الصرف بين الليرة اللبنانية والدولار الأمريكي ثابت منذ فترة طويلة. ويضيف:" "بهذه الطريقة، حافظ الناس على نمط حياة لم يكن بمقدورهم تحمله من غير هذا النظام. وأثناء الأزمة وعندما توقف فجأة دفع المزيد من المدفوعات إلى البلاد من الخارج، توقف النظام ببساطة عن العمل. ثم أغلقت البنوك، وأراد الناس سحب مدخراتهم - ولكن بسبب عدم وجود احتياطيات لدى البنوك، انهار النظام".
إلى جانب هذا لا تحتاج البيتكوين إلى بنوك أو حكومات، وهذا ما جعلها مطلوبة. وأصبح تقبل واكتشاف العملات المشفرة بالنسبة لبعض اللبنانيين، شبيه بالمزاج الذي ساد مع تزاحم الناس على مواطن اكتشاف الذهب.
وتعدين العملات الرقمية تعد عملية إنشاء عملة جديدة باستخدام أجهزة الكمبيوتر لحلّ الخوارزميات، وفك الشفرات الرياضية المعقدة. ويقوم مستخدمو بيتكوين الذين يُطلق عليهم مُجازاً اسم "عمّال المناجم"، بعملية حفظ البيانات وعمليات التداول وتسجيلها في سلاسل محاسبية تسمى كل منها "سلسلة الكتل" (#blockchain)، وهي أشبه بدفتر الأستاذ العام في عالم المحاسبة.
وبرزت هذه الظاهرة في لبنان بشكل مكثّف بعد انتشار كورونا وأزمة القطاع المصرفي، ما جعل الناس يتّجهون إمّا إلى الادّخار أو إلى الاستثمار، لكن مع انهيار المصارف اتّجه الناس إلى الاستثمار أونلاين، بحسب استشاري عملات رقمية ومؤسِّس شركة BuyBitcoinLeb، نادر الديراني. وبما أنّ محلات ألعاب الكمبيوتر أقفلت بسبب كورونا آنذاك، استغلّت حواسيبها في تشغيل برامج التعدين، لتسجيل أرباح سهلة دون الحاجة إلى زبائن.
إلى جانب انتشار كورونا وأزمة المصارف، وبحسب حديث الديراني، شكّل ارتفاع سعر صرف الدولار دافعاً هاماً للاستثمار في تعدين العملات الرقمية، الذي يجعل من أقلّ أرباح التعدين مبلغاً له قيمة. وسوّقت مواقع التواصل الاجتماعي والمؤثرين التعدين، وصوّروه كأنّه الحبة السحرية في جني الأرباح.
الأرباح في هذا الاستثمار كبيرة. لكن يجب التنبّه إلى كلفة الاستثمار والأخذ بالاعتبار ماهية جهاز التعدين، والمساحة الموجود فيها، سواء كان منزلاً أم شقة أم أرضاً، وتبريد الأجهزة وصيانتها وتحديثها، وهذه كلّها أكلاف.
ولا شكّ في أنّ الإقدام على هذا الاستثمار له أيضاً مخاطر وخبايا يجب معرفتها. أهمّها امتلاك المعرفة الوافية عنه، إلى جانب بعض الملاحظات التقنية في استخدام الجهاز ومواصفاته، والمردود الحقيقي له، وعدم الانجرار في أرقام مردود خيالية.
إلى ذلك، ينصح الديراني بوجوب أن يمتلك الشخص الجهاز القادر على التعدين، ولكلّ عملة رقمية جهاز تعدين خاص بها، مع ضرورة الانتباه إلى قيمة هذه العملات في البورصة، واختيار العملة الرقمية التي لا تفقد قيمتها لكي تعود بالأرباح.
وبحسب الديراني التعدين قانوني، لكن هناك بعض البلديات تطالب بتوقيف المعدّنين لأنّهم يشكّلون ضغطاً على شبكات الكهرباء. لكنّ الدولة لا يمكنها توقيف هؤلاء الأشخاص بتهمة التعدين، لأن لا قانون يمنع تعدين العملات الرقمية في لبنان حتى الآن.