تسببت الخطة التي وضعتها الحكومة اللبنانية وبدأت في تنفيذها بالفعل على أمل الخروج من الأزمة الاقتصادية الخانقة التي غرقت فيها البلاد منذ أكثر من سنتين، حالة من الجدل والغضب بعدما اكتشف عدد كبير من المودعين في البنوك فقدان أموالهم بالدولار!.
ووصف ناصر السعيدي، وزير الاقتصاد السابق ونائب محافظ البنك المركزي، تلك الخطة بـ "تأميم فعلي للودائع"، ملقيا باللوم على البنك المركزي في تكبد خسائر ضخمة في الميزانية العمومية".
وأضاف السعيدي في تصريحات صحفية "إذا قبل مجلس النواب تلك الخطة، فسيكون ذلك قبلة الموت لنظام مصرفي يحتضر، وسيحكم على لبنان واقتصاده وشعبه ببؤس طويل الأمد".
وبدوره، قال الخبير الاقتصادي، توفيق كاسبار، الذي عمل مستشاراً لصندوق النقد الدولي ووزارة المالية اللبنانية: الضحية هي التي تتحمل الجزء الأكبر من العبء. منطقهم غير مقبول بأي من معايير المنطق في أي مكان في العالم".
جاءت تلك الأزمة على خلفية الفجوة المالية، التي ظهرت بعدما قدّر نائب رئيس الوزراء اللبناني، سعادة الشامي، رئيس لجنة التفاوض مع صندوق النقد الدولي، خسائر القطاع المصرفي بنحو 69 مليار دولار، وتم تقسيم الخسائر، فيما تحمل المودع جزء كبير من تلك الخسائر، لا سيما أن هذه العملية كانت بدأت منذ عام 2020 حيث أُجبر المودعون وفق تعاميم مصرف لبنان على سحب أجزاء من ودائعهم الدولارية بالليرة اللبنانية.
يذكر أنه بموجب الخطة، سيُحول الجزء الأكبر من الودائع الدولارية البالغة 104 مليارات دولار (والتي لم يعد لدى البنوك ما يكفي من العملة الصعبة لتغطيتها) إلى الليرة اللبنانية، ولكن بمجموعة من أسعار الصرف، يقلّ اثنان منها عن مستويات السوق الحالية بكثير.
فيما سيحتفظ المودعون الذين تقل ودائعهم عن 150 ألف دولار بأموالهم كاملة (بما يصل إلى نحو 25 مليار دولار) لكنهم سيحصلون عليها على مدار 15 عاماً شأنهم شأن المودعين الآخرين!.
وغرد عدد من المودعين والنشطاء اللبنانيين عبر موقع التواصل الاجتماعي تويتر، غضبا واحتجاجا على الخطة الحكومية التي حملتهم جزء من خسارة الدولة والأزمة الاقتصادية.
حيث قالت ناشطة لبنانية عبر صفحتها على تويتر:" نظرًا لأهمية الادّخار لمواجهة الأزمات الصعبة المحتملة. نعيش اليوم أوضاع معيشية عصيبة وسط انهيار القطاع المصرفي وتبخّر مدخراتنا فضلًا عن الغلاء الفاحش ورفع الضرائب وزيادة التقشف".
فيما غرد أخر قائلا:" اليوم مصرف لبنان والمصارف سرقوا الناس بكل وضوح …. ما طلع ولا بيان تنديد من أي حزب بالسلطة ولا من أي رجل دين رسمي والنيابات العامة ما تحركت والكل سكت، لأن بكل بساطة آخر همهم الناس".
في سياق متصل، أوضح الباحث الاقتصادي، باتريك مارديني، أن "تحميل المودعين الخسائر بأشكال مختلفة، منها شطب تقسيط ودائعهم، هو ظلم لهم وتحميلهم حصة الأسد من الخسائر المالية التي تسببت بها الدولة، لا سيما أن المواطنين عمدوا إلى تشغيل أموالهم في المصارف على نسب الفوائد، والتي بدورها وضعت الأموال عينها في القطاع العام بشقَيه: مصرف لبنان وسندات الخزينة للحكومة اللبنانية".
وأشار مارديني إلى أنه "بعد الانهيار، تهرب كل من مصرف لبنان والحكومة من مسؤولياتهما، في وقت احتجزت المصارف أموال المودعين". ورأى أن "الإصلاح المنطقي ينطلق عن طريق عملية دمج للقطاع العام، لتحديد قيمة الفجوة المالية بالدولار الأميركي والتي يجب إعادتها إلى المصارف اللبنانية"، لافتاً إلى أن عملية إعادة الأموال المُستدانة من قبل المصارف، تأتي عندما تنطلق الحكومة اللبنانية بتنفيذ الإصلاحات، وبتخفيض نفقاتها كي تتمكن من الحصول على فائض في موازنتها، الذي بدوره يمكن استغلاله لإعادة دفع جزء من أموال المودعين بشكل تدريجي".