عادت أزمة النفايات إلى الواجهة في لبنان، على رغم تراجع الحديث عنها في ظل لائحة الأزمات التي تطول وبخاصة الأزمة الاقتصادية التي حاوطت البلاد وأثقلت من همومها، حيث استفحلت أزمة النفايات مؤخرا في القرى والبلدات العكارية، مع تدني قدرة البلديات المادية وعدم تمكنها من جمعها وإرسالها إلى المطمر.
وما يزيد الأمر تعقيدا هو أن بلديات في عكار موازنتها السنوية أقل من كلفة النفايات السنوية، فضلا عن معاناة الشركة التي تقوم بجمع النفايات ونقلها في مكب سرار (الأمانة العربية)، من مشاكل كثيرة؛ مع ارتفاع سعر صرف الدولار وعدم إمكانية العمل على السهر القديم للدولار المقدر بـــ (1500)، في ظل ارتفاع تكلفة الصيانة والمازوت وقطع الغيار وغيرها من المستلزمات.
الأمر الذي أكده صاحب شركة الأمانة العربية خلدون الياسين، حيث قال: «إن العمل حسب الاتفاق السابق على تسعيرة الدولار القديمة غير ممكن، والمطلوب عقد جديد على أساس الزيادة التي حصلت في سعر صرف الدولار".
وأضاف في تصريحاته:" نحن هنا لا نبحث عن الربح بقدر ما نبحث عن تشغيل معمل فرز بهذا الحجم والتجهيز، وأن نرفع النفايات عن مناطقنا، ولكن أضعف الإيمان، أن نقوم بالحدّ من الخسائر، لأن عملنا الآن هو خسارة كبيرة جدًا، ومن شأن تشغيل معمل الفرز أن يرفع كل الأكلاف عن كاهل البلديات".
وأوضح:" أن نقل النفايات بهذا الغلاء الحاصل في أسعار المازوت وقطع الغيار وغيره، أمر شبه مستحيل. فليكن هناك حلٌ يقسّم هذه الخسائر على كل الأطراف، كأن يُعتمد سعر الطن مثلًا 50% حسب سعر الصرف في السوق السوداء و 50% على دولار 10 آلاف ليرة وهو حل على قاعدة «لا يموت الديب ولا يفنى الغنم»".
يذكر أن الشركة المنفذة التزمت من الدولة بالفرز على أساس 25 $ للطن الواحد، كان سعر صرف الدولار حينها 1500 ليرة لبنانية، وبفعل الأزمة الاقتصادية التي أدت إلى الإنهيار المالي وارتفاع سعر الصرف بشكل كبير، رأت أغلب معامل الفرز أن هذه الاتفاقية لم تعد قابلة للتنفيذ بالشكل القديم. مما دفعها للتوقف عن العمل.
وتعتبر أزمة النفايات متجذرة في لبنان، فيما تحظى طرق المعالجة بمكانة ثانوية. وشكل عام 2015 مرحلة مهمة في تاريخ الانفجار البيئي. ففي تلك السنة اندلعت موجة كبيرة من الاحتجاجات الشعبية في وجه الفشل الرسمي. واعتمدت الحكومة آنذاك خطة طارئة لمعالجة النفايات، من خلال إنشاء مكبات مركزية مؤقتة في مناطق ساحلية عدة. ولكن، ككل شيء في لبنان، تحوّلت الحلول المؤقتة إلى دائمة، وراحت المكبات تتسع أفقياً وعمودياً عند شاطئ البحر الأبيض المتوسط، وبقيت الوعود بالحلول العلمية الدائمة رهينة الاختلافات بين القوى السياسية.
من جانبه اعتبر رئيس بلدية برج العرب عارف شخيدم «أن مشكلة النفايات مشكلة كل البلديات، ولكن مشكلة بلدية برج العرب كبيرة، فعائداتها أقل من تكلفة النفايات لشهرين أو ثلاثة وهذا يشكّل أزمة كبيرة.. كبلدة لدينا عدد كبير من النازحين السوريين إضافة إلى القاطنين في برج العرب من المناطق الأخرى في عكار. كل هذه الأعباء على كاهل البلدية، ونأسف لأن المنظمات الدولية العاملة في لبنان لم تأخذ هذا الأمر حتى الآن في الإعتبار، وسنلجأ الى التصعيد إذا لم تغير سياستها».
وفي ظل غياب الحلول العلمية المستدامة، انتشرت عشرات المكبات في مختلف المناطق اللبنانية، وتهدف إلى جمع النفايات وإخراجها من قلب الأحياء والمدن، لرميها من دون معالجة في مواقع طبيعية مختلفة. وتنتقد الهوز مقولة "إنشاء مطامر في البحر"، لأنه من الناحية العلمية لا يوجد مطمر صحي في البحر.
ولا تتوقف المكبات العشوائية في المناطق الساحلية، إنما يتجاوزها إلى المناطق الجبلية والوديان. وتزداد المخاطر مع اعتماد أسلوب حرق النفايات المتكدسة، ما يؤدي إلى انبعاث الدخان في الأرجاء. وتجزم الهوز أن هذه النفايات تتسبب بأمراض تنفسية وسرطانية، وتهدد صحة المواطنين وتلوث الأنهار والينابيع والمياه الجوفية.