فيما بدا وكأنه بمثابة رد على المشككين والمتشائمين بما ستؤول اليه الامور بعد ​الانتخابات النيابية​ الاخيرة ونتائجها، اتت زيارة رئيس مجلس النواب ​نبيه بري​ الى قصر بعبدا لتقلب كل التوقعات وترسي اسساً جديدة للمرحلة المقبلة.


وبغض النظر عمن كان وراء هذه الزيارة وما اذا كان بري تلقى اتصالاً من رئيس الجمهورية العماد ​ميشال عون​ لزيارة القصر، او كان هو المبادر الى "جسّ النبض"، فإن النتيجة واحدة وهي ان كل ما قيل في المرحلة السابقة عن مشاكل وتعقيدات لما بعد الانتخابات، اصبح موضع تشكيك وتقدمت حظوظ الايجابية على السلبية ان لناحية سرعة انتخاب رئيس مجلس للنواب ونائبه، وان لناحية السرعة اياً كان في تشكيل الحكومة دون عوائق كبيرة قد ترتد سلباً على الجميع.


الكلام الصادر عن بري من بعبدا، والغداء الذي اعقب اللقاء مع الرئيس عون، اظهر ان النية موجودة لتسريع الخطوات لتذليل اي عقبة قد تعترض الاجواء المتسارعة والتي تفرض الاسراع في تشكيل الحكومة، وهو امر يصب في خانة المسؤولين جميعاً.


فمن ناحية الرئيس عون، من المهم بمكان ان تتشكل الحكومة الجديدة في اسرع وقت ممكن، وهو من اجل ذلك يبدو انه مستعد لتخطي اي مرحلة سابقة شهدت توترات كبيرة مع رئيس المجلس النيابي، كما انه كان كفيلاً على ما يبدو من خلال اجواء اللقاء الذي ساد في بعبدا، بتخفيف سقف التشنج الذي ساد قبيل فترة الانتخابات وما بعدها مباشرة بين "​التيار الوطني الحر​" وحركة "امل" اي بمعنى آخر مع وزير الخارجية ​جبران باسيل​. وهذا الامر جعل بري يرد التحية بمثلها من خلال تسهيل مسألة نائب رئيس مجلس النواب من جهة، وعدم استهداف باسيل او رفع لغة الخطاب معه، وقد مهّد بري لذلك من خلال توضيحه سابقاً لقب "البرغوث" ومن خلال ما قاله بالامس من قصر بعبدا واعتباره باسيل جزءاً من الشريحة التي يتعامل معها بري.


واستعجال الرئيس عون تشكيل الحكومة بات لاسباب معروفة، ولكن اضافة الى كل ما تم ذكره سابقاً، فإن النقطة البالغة الاهمية تكمن في رغبته بتوحيد الصف لمواجهة التحديات الكبيرة وفي مقدمها قضية النازحين السوريين ومشكلة الكهرباء والوضع الاقتصادي، وهو يدرك ان اقتراب برّي وغيره منه في الوقت اللاحق سيسهل وصوله الى الغاية التي يريدها.


اما من ناحية بري نفسه، فليس من السهل عليه ابقاء خطوط التماس قائمة مع بعبدا، خصوصاً في ظل نتائج الانتخابات الاخيرة من جهة، والتنسيق مع ​حزب الله​ الذي اعرب اكثر من مرة عن رغبته في عدم قطع الخيوط بين عين التينة وبعبدا من جهة ثانية، اضافة الى انه ليس من المستحب ان تبقى الصورة الملاحقة له على انه المتسبب بالمشاكل مع المسيحيين، فظهر أمس عكس ذلك حين بدا وكأنه يمد يده الى رئيس الجمهورية ويحافظ على هذا الموقع وما ومن يمثله.


في ما خص رئيس مجلس الوزراء ​سعد الحريري​، فمن نافل القول ان انضمامه الى علاقات طيبة بين عون وبري يبقى افضل بكثير من محاولة الاختيار بينهما في الاستحقاقات والمواضيع الخلافيّة التي يقفان فيها على طرفي نقيض. وقد تذوّق الحريري مرارة المشكلة بشكل مباشر من خلال مرسوم ترقية الضباط، وكم كان وضعه حرجاً قبل ان تنجح مساعي الخيّرين لايجاد مخرج يرضي الجميع.


كما انه من البديهي ان يبقي الحريري على علاقاته مع بري في ظل اعتماده خطاب التصعيد مع حزب الله (كلامياً على الاقل)، فمن غير المعقول ان يعمد رئيس الحكومة حالياً الى تغيير طريقة كلامه عن الحزب، ومن الضروري ابقاء صلة وصل مع الطائفة الشيعية ومع الحزب ايضاً وذلك عبر قناة بري.


وليس من المفاجىء ان يعود الحريري الى رئاسة الحكومة مجدداً، وبالتالي لا يمكنه الا وان يبقي التنسيق على اعلى مستوياته مع كل من عون وبري معاً، لذلك فهو سيقوم بكل ما يتوجب عليه لابقاء هذه العلاقة سليمة وقائمة وطويلة الاجل.


لذلك، يمكن القول ان هندسة المرحلة المقبلة قد اكتملت والكل كان شريكاً فيها بعد انضمام بري، وما علينا الا الانتظار للبدء بتنفيذها.


المصدر: النشرة

جميع المقالات المنشورة في "منبر آسيا" تمثل رأي كتّابها فقط.