اللبنانيون في الشوارع منذ أسبوعين ولم ينجح أحد في تسكينهم وإعادتهم إلى منازلهم.

 
هو ليس حراكًا امتداديًا للربيع العربي لكنه فرصة لربيع لبناني ينهي نظامًا اجتماعيًا واقتصاديًا وسياسيًا بني على أساس التحاصص وتقاسم الثروات والمناصب وحان وقت رحيله.
 
لبنان حسب الأغنية هو قطعة من السماء على الأرض بجغرافيته وموقعه وطقسه وتنوعه الثقافي والديني والعرقي. فتوحد الجميع ضده لتحويل هذه النعمة إلى نقمة.
 
قبل عام واحد فقط كان الشعب اللبناني ينتخب ممثليه ويعلن ولادة حكومته الجديدة لتنتشل لبنان من أزماته وتعيد اليه رونقه الخمسيني والستيني ولقبه المعروف "سويسرا الشرق" لكنه انقلب سريعًا على قياداته التي خذلته في الإدارة والتخطيط والوعود الزائفة.
 
من النادر جدًا أن نسمع مئات الآلاف من الحناجر تصرخ بصوت واحد "كلن يعني كلن" في بلد صغير مثل لبنان، رسمت حدوده السياسية والاجتماعية منذ العام 1943 مع إعلان الدستور المصنوع فرنسيًا على أساس التحاصص الديني والمذهبي.
 
ومن النادر أن نرى هذه الحشود متروكة ليلًا نهارًا في شوارع وساحات المدن اللبنانية، وقد فشلت الأجهزة الأمنية والسلطات السياسية والقيادات الحزبية في إقناعها بإخلاء المكان والعودة عما يقود البلاد نحو الكارثة.
 
الشارع ربما لم يعد يريد أيضًا أن يفرض عليه رئيس ماروني ورئيس برلمان شيعي ورئيس حكومة سني. هو يريد الكفاءة والنزاهة والخبرة والولاء للبنان المقياس الأول والأخير في اختيار الاشخاص.
 
خرج الآلاف إلى الشوارع للرد على قرار فرض ضريبة جديدة على استخدام "الواتس أب" وهو ما لا يطبق في أي بلد آخر، لكن الاحتجاجات تحولت إلى لوائح مطلبية اجتماعية واقتصادية وحياتية وسياسية، قبولها وتحقيقها يعني إعادة تنظيم العديد من المؤسسات السياسية والحكومية في لبنان. إذا ما صحت المعلومات فأرقام الفساد المالي تصل إلى 3 مليارات دولار سنويًا في بلد صغير مثل لبنان لا يزيد عدد سكانه عن 6 مليون نسمة. والكهرباء ما زالت تقطع في بعض المناطق بحدود 12 ساعة يوميًا. وأرقام الديون ارتفعت خلال 12 عاما من 40 مليار دولار إلى 85 مليارًا.
 
احتجاجات تزلزل عروش قيادات الأحزاب ورموز المذاهب فهل تنجح في مواجهة من يتهمهم بالعمالة وتنفيذ أجندات خارجية تريد تدمير لبنان؟
 
ما يجري قد يكون حراكًا مطلبيًا اجتماعيًا اقتصاديًا حياتيًا لكنه سيتحول شئنا أم أبينا إلى أزمة سياسية أمنية دستورية إذا ما استمر على ما هو عليه. الأحزاب والقوى السياسية المتضررة من المشهد بدأت الحراك المضاد. هي تحرض أنصارها على النزول إلى الشوارع لمواجهة مخاطر إضعاف نفوذها وضرب مصالحها السياسية وحصتها الطائفية بعدما لم تعطها القوى الأمنية والمؤسسة العسكرية ما تريده.
 
مشكلة لبنان اليوم أن كل خلافاته ومشاكله الداخلية التي كانت تحل بالوساطات الإقليمية والدولية لا يرغب أحدٌ من اللاعبين في الخارج بالتدخل فيها. ربما هم لا يريدون أن تتحول الأزمة إلى تصفية حسابات  تقلب التوازنات والمعادلات الحالية التي تمسك إيران بمركز الثقل فيها عبر "حزب الله" وحيث برزت ضرورة إضعافها هناك بقرار العديد من العواصم العربية والغربية وإسرائيل.
 
30 سنة عجز متزايد في ميزانية الدولة التي تقوم في صلبها على المساعدات والدعم الخارجي. المطلوب عاجلًا هو 5 مليارات دولار لإزالة الخطر الكبير المحدق بالدولة. هذه المبالغ موجودة عند الكثير من الأسر اللبنانية لكنها لن تفعل شيئًا. الحل الحكومي كان دائما عبر المزيد من الضرائب ورفع الأسعار وتقليص الخدمات لكن خطط البحث عن الحلول في مكان آخر وبشكل آخر لم تطرح أبدًا. الذهاب وراء عمليات الاختلاس والفساد ومن أين لك هذا يا عزيزي ليس بين الأوليات.
 
دويلات داخل الدولة لا يستطيع أحد الاقتراب منها أو مساءلتها. السلاح متوفر وبكثرة بيد بعض الأحزاب للدفاع عن البلاد. لكن البلاد تذهب نحو الكارثة الاجتماعية والاقتصادية فما نفع السلاح؟
 
الأحزاب والقيادات السياسية انقسمت على نفسها مرة أخرى حيال ما يجري وهي عاجزة عن إيجاد الحل. حزب الله والتيار الوطني وحركة أمل وتيار المستقبل في مواجهة الحزب التقدمي والقوات اللبنانية وحزب الكتائب.
 
لكن هدف الشارع هو إلغاء نظام التحاصص المذهبي والإطاحة بالأقلية الممسكة بمقدرات البلاد وثرواته وفتح الطريق أمام ذهاب لبنان نحو انتخابات مبكرة على أساس الدائرة الواحدة الكبرى بلا حديث طائفي وعرقي وعلى أساس نظام سياسي ديمقراطي حقيقي واقتياد من أوصل الحالة في البلاد إلى هذه الدرجة من التراجع والتدهور إلى المحاكمات والسجون بعد وضع اليد على أموالهم وممتلكاتهم داخل لبنان وخارجه.
 
حراك شعبي لبناني عابر للمذاهب والانتماءات الحزبية والسياسية. الشباب في المقدمة ومن خلفهم كبار السن والأطفال.
 
اللبناني نزل إلى الشوارع أكثر من مرة للتعبير عن رأيه والوصول إلى ما يريد. فشل في ذلك ودفع الثمن باهظًا في كل مرة لأن قياداته في الداخل ومصالح القوى الإقليمية في الخارج فرضت عليه الرضوخ والاستسلام. فهل يتكرر المشهد اليوم أيضًا أم هي فرصته الاخيرة للدخول في مسار سياسي واقتصادي واجتماعي إصلاحي شامل قد يبدأ كما يردد البعض بالخيار المر والأصعب؟
 
هناك من يراهن على حراك المؤسسة العسكرية الضامن الوحيد للبنان ولبقائه ووحدته وتماسكه بعدما انزوى البرلمان وتفككت الحكومة وتحول موقع رئاسة الجمهورية إلى هدف من أهداف الاحتجاجات في الشوارع . الخطير في الأمر هو أن يردد البعض من اللبنانيين أن لا خيار آخر لهم اليوم سوى اللجوء إلى المؤسسة العسكرية لتجد الحل المناسب وتخرج لبنان من محنته.
 
ربما مؤتمر اجتماعي سياسي اقتصادي وطني تأسيسي جديد يسرع عملية الانتقال بالبلاد من حالة إلى حالة قد يكون البديل الآخر لخيار تبني السيء في مواجهة الأسوأ.
 
لكن السيناريو الثالث موجود دائمًا أيضًا "لا غالب ولا مغلوب"، وهي تسوية توافقية لبنانية قديمة تخرج المعادلات السياسية والدستورية التقليدية المنتصر الدائم فيها لأن الخيارات الأخرى غير ممكنة وغير مقبولة داخليًا وخارجيًا.