سنبلة قمح، والشمس، والميزان... هو الشعار الذي اختاره حزب الحياة والعدالة التركي الذي قدم أوراقه يوم السبت الماضي لهيئة براءات الاختراع والعلامات التجارية في أنقرة، بعد أن استأجر مؤسسوه مبنى من ثلاثة طوابق في العاصمة ليكون مقرا للكيان الجديد. علي باباجان وزير الاقتصاد ومهندس السياسية الاقتصادية التركية في فترة حكم حزب العدالة والتنمية ووزير العدل الأسبق سعد الله أرغين، وغيرهم من القيادات التي انزوت منذ فترة، وراء المشروع السياسي الجديد الذي قدم أوراق اعتماده وينتظر الموافقة المبدئية على الاسم، حتى ينطلق في بحر السياسة التركية المليئة بالتجاذبات والتي تتلاطم فيها أمواج الملفات الداخلية وتتزايد دوامات السياسة الخارجية فيه، لاسيما بعد أن استطاع الفاعلون في السياسة الدولية إشعال طوق من النار حول تركيا العدالة والتنمية.


شركاء الأمس منافسو اليوم، في عالم السياسة أمر مقبول، لكن غير المقبول أن يستفيد أحدهم من جراح الآخر، أو على أقل تقدير يفتح المجال للتكهن بذلك، فتوقيت الإعلان عن الحزب الجديد جاء بعد خسارة حزب العدالة والتنمية الأولى منذ سبعة عشر عاما، تلك الخسارة التي سوق لها المعارضون في الداخل والخارج على أنها نصر عظيم يأذن بنهاية الحزب الحاكم، مروجين لمقولة:(من يخسر إسطنبول يخسر تركيا) وهي المقولة التي أطلقها الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، لكنه أيضا قال بعد نتيجة انتخابات الإعادة على مقعد المدينة الأكبر (لا تنسوا أن في هذا البلد أشباه عبد الفتاح السيسي، لذلك نحن مجبرون على أن نكون حذرين) وهي إشارة إلى أن هناك من حرك الأمور للمرة الثانية نحو إزاحة الحزب الأكثر شعبية في البلاد، حتى بعد نتائج الانتخابات البلدية الأخيرة.


يعاني الاقتصاد التركي حالة ركود، جراء عوامل عدة، لا يمكن تجاهل الداخلية منها، والمتمثلة في إدارة ملفي الاقتصاد والسياسة المالية، لاسيما بعد الخلافات المتكررة بين رئيس الجمهورية ومحافظ البنك المركزي، لكن الفخاخ التي لا تنتهي من أجل إسقاط النظام السياسي، والتي اتخذت من الملف الاقتصادي سبيلا لها، وهو الأنجع برأيي لأسباب عدة، والمتمثلةفي سحب مليارات الدولارات من السوق التركي، بشكل مفاجئ وسريع، من مستثمرين أمريكيين وأوروبيين وخليجيين، وكذا تلك التهديدات التي أطلقها الرئيس الأمريكي عبر تغريداته بفرض عقوبات على تركيا، والتي تحولت إلى واقع، في ضربات تمهيدية متصاعدة، للعصف بالاقتصاد التركي، أثرت بشكل كبير على الاقتصاد الناشئ، ومن ثم بطأت عجلة النمو مما أثر على سوق العمل والإنتاج، وهو ما انعكس بالنتيجة على الحياة اليومية للمواطن العادي، وأثر بالتالي على نظرته لأداء الحزب.


حلم حزب العدالة والتنمية ورئيسه أن تكون تركيا دولة عظمى، أو على أقل تقدير مؤثرة بشكل مباشر في رسم السياسات الدولية، وهي في طريقها لذلك، يفزع الغرب وأذياله من براميل النفط، وهو الحلم الذي بدأت خطوات تنفيذه بالصناعات الثقيلة والعسكرية وتطويرها وسد النواقص من خلال الشراء من أسواق كانت ممنوعة قبل أن تنتزع تركيا إرادتها من الغرب المهيمن، وهو ما فتح أبوبا من المكايد تجاه الرئيس اردوغان وحزبه، تمثلت على المستوى الداخلي بدفع المعارضة لرفع سقف المزايدات ودعمها إعلاميا بضخ قنوات إعلامية مرئية ومكتوبة لتعبئة الرأي العام تجاه الإدارة الحالية، وتمثلت على المستوى الخارجي في محاولات مستميتة لتوريط تركيا في مستنقع سوريا سواء بجرها للحرب المباشرة أو اتهامها بدعم الإرهاب.


المفكر التشيكي جان آموسكومينيوس في مذكراته كتب واصفا الشعب التركي : (الأتراك أبطال لا يؤذون الصديق ولا يخونون العهد، وهذه صفات تدفع الجميع حول العالم إلى الحرص على التحالف معهم لسنوات طويلة(، تتأصل تلك الصفات أكثر في التركي الذي اتخذ من منهاج النبوة وتاريخ أجداده، الذين حكموا الدنيا قرونا عديدة، طريقا له، إشكالية شركاء الأمس مع بيتهم القديم، إنهم لا يرون الأمور بمنظور محلي، بينما يرى الحزب في الدبلوماسية الشعبية ومساندة الضعفاء أحد الأبواب المهمة لإعادة تركيا لمكانتها المسلوبة، لهذا ستكشف الأيام عن مساندة الغرب من يريد تركيا متقوقعة، ويطيل مد السيف في وجه من يريدها ندا لمن سلبوا مكانتها، وعلى الشعب أن يختار بين خبز الذل ومجد الغد .