تشهد منطقة البحر الأسود الأوسع التي تضم الدول الساحلية بالإضافة إلى الدول المجاورة، بيئة أمنية سريعة التغير تجمع بين التهديدات العسكرية التقليدية الواسعة النطاق وتدويل الحروب الأهلية والنزاعات الطويلة، فضلًا عن تحديات أسلحة الدمار الشامل. وعلى هذا النحو، برزت مجموعة ضعيفة من الدول بين التجمع لأوروبي الأطلسي من جهة، وروسيا وحلفائها، من ناحية أخرى، كواجهة رئيسية بين الكتلتين الأمنيتين.


منذ التسعينيات، تقع معظم حالات الاتجار غير المشروع بالمواد النووية في العالم، ولا سيما المواد الانشطارية، في بلدان حول البحر الأسود. ويزيد من تعقيد حالة الأمن النووي في المنطقة وجود مناطق تتمتع بحكم غير مستقر وصراعات طويلة الأمد كما هو الحال في ترانسنيستريا وأبخازيا وأوسيتيا الجنوبية ومناطق شرق أوكرانيا منذ عام 2014.


وأدى سلوك واشنطن العدواني في الساحة الدولية إلى دفع الحلفاء التقليديين بعيدًا عنها. ولكن على الرغم من تصاعد الصراع مع تركيا، فإن الولايات المتحدة، كونها العضو المؤسس لحلف الناتو، لا تزال تسعى لتحقيق هدف تعزيز وجودها في البحر الأسود.


الحلفاء الرئيسيون للبيت الأبيض اليوم في هذه المنطقة هم قيادة جورجيا وأوكرانيا اللتين تحلمان بالدخول إلى حلف الناتو وتقبلان جميع الشروط المفروضة.


على مدى أكثر من 80 عامًا يُنظم وجود السفن الحربية التي لا تتبع دول البحر الأسود والتي يمكن أن تدخل البحر عبر مضيق البوسفور، بموجب اتفاقية مونترو لتنظيم حركة السفن الحربية والتجارية في المضيق. وتفرض المعاهدة عددًا من القيود على الدول غير المطلة على البحر الأسود، إذ يجب أن تكون السفن الحربية التابعة لدول من خارج حوض البحر الأسود، سفنا سطحية وخفيفة ومساعدة بحيث لا يزيد عدد المجموعة عن تسع سفن مارة عبر المضيق في آن واحد وبحمولة إجمالية لا تتجاوز 15 ألف طن. وفي الوقت نفسه توجد قيود على فئة ومدة الإقامة للسفن الحربية، إذ لا يمكن للسفن التابعة لدول غير مطلة على البحر الأسود البقاء في المضيق لمدة تزيد عن 21 يومًا.


إن أي محاولات انتهاك هذه المعاهدة سوف تنظر إليها تركيا على نحو سلبي بوصفها الدولة المتحكمة في مرور السفن. كما أن من المستحيل مراجعة الاتفاقية دون موافقة تركيا ، أو ضمان التفوق في البحر الأسود إلا بدعم تركيا فقط.


في مثل هذه الحالة، يرى البنتاغون أن من الممكن استخدام قناة إسطنبول الملاحية التي ستربط مرمرة والبحر الأسود لمرور حاملات الطائرات الأمريكية. سيتم تشغيل هذه القناة التي يبلغ طولها نحو 50 كم بالتوازي مع مضيق البوسفور، وسيتم الانتهاء منها في عام 2023، ولن تنطبق عليها شروط معاهدة مونترو.


ومع الانتهاء من إقامة قناة إسطنبول سيعتمد كل شيء على قيادة تركيا، فإذا تنازلت أنقرة وسمحت بمرور حاملات الطائرات التابعة للبحرية الأمريكية عبر القناة الجديدة، فستسلم جميع مواقعها في البحر الأسود إلى البنتاغون.


وفي الوقت نفسه، تحتفظ الدول الأعضاء في حلف الناتو (وهو ما لا ينطبق على بلغاريا ورومانيا) بوجود عسكري في منطقة البحر الأسود. انتهت التدريبات البحرية "درع البحر 2019" (Sea Shield 2019) في منتصف نيسان/ أبريل الجاري، وتواصل سفينة الاستطلاع "HMS Echo" التابعة للبحرية الملكية البريطانية القيام بمهمتها في البحر الأسود.


تمتلك البحرية الأمريكية 11 حاملة طائرات تحمل كل منها 90 طائرة قادرة على حمل أسلحة نووية. وإذا تخيلنا أن بعضها سيستقر في البحر الأسود، فإن روسيا ستتخد ردًا دفاعيًا. ومن ثم فمن المحتمل أن تحدث كل السيناريوهات الرهيبة للأعمال العدائية.


هناك أمل في أن تتمتع الحكومة التركية بما يكفي من المرونة والتصميم في مواجهة الخطاب العدواني للشركاء الآخرين في الناتو.