إثر زيارته إلى واشنطن ولقائه الرئيس الأمريكي وغيره من المسؤولين، صرح وزير المالية التركي براءة ألبيراق بأن ترمب “أبدى وجهة نظر معقولة بخصوص صفقة S400 الصاروخية الروسية”. لكن ذلك لا يكفي لطمأنة تركيا، أو تخفيف الضغوطات الأمريكية عليها، فضلاً عن أن يكون قادراً على إقناع أنقرة بالعدول عن الصفقة التي وصلت لمراحلها النهائية.


تعتبر تركيا الصفقة مساراً استراتيجياً لا يمكنها العدول عنه ولا حتى التأخر فيه، ولذلك فقد سعت عدة مرات مع موسكو لتبكير موعد التسليم، وهو ما كان. فالأمر متعلق بافتقار تركيا لنظام دفاع صاروخي ليحميها من أي هجمات جوية أو صاروخية قد تتعرض لها، وهي التي تعيش في منطقة شديدة السيولة ومتعددة المخاطر وتقود مؤخراً عمليات عسكرية خارج الحدود بل وتعلن عن إتمام استعداداتها لعملية جديدة شرق نهر الفرات في سوريا.


قد تكون حاجة تركيا الملحّة للنظام الصاروخي الدفاعي مفهومة في هذا السياق، لكن المستغرب كان أن تلجأ لروسيا كمصدر له وهي الدولة العضو في حلف شمال الأطلسي – العدو اللدود لموسكو – بل والقوة العسكرية الثانية فيه بعد الولايات المتحدة.


والحقيقة أن تركيا قد عانت من شركائها الأطلسيين مرتين. مرة حين سحبوا بطاريات صواريخ الباتريوت من أراضيها عام 2015، بزعم انتهاء الخطر عليها، على غير رغبة منها. والثانية حين ماطلوا كثيراً، وحتى اليوم، في بيعها أي منظومة دفاعية رغم أنها حاولت كثيراً مع الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية.


قبل سنوات، تحديداً في 2015، وفي ظروف مشابهة توجهت تركيا للصين لإتمام الصفقة، لكن الضغوط الأطلسية أجهضتها وهي في مراحلها الأولى بعد رسو المناقصة على شركة صينية كانت قد وافقت على نقل التقنية لأنقرة، لكن مسار التعاون التركي – الروسي المتنامي باستمرار مؤخراً جعل صفقة من هذا النوع كانت مستحيلة سابقاً ممكنة اليوم.


أبرم الطرفان، أنقرة وموسكو، الصفقة التي تبلغ قيمتها 2.5 مليار دولار عام 2017 على أن يكون التسليم في آذار/مارس 2020، لكن المنحى الإيجابي في العلاقات التركية – الروسية ساهم في تقديم الموعد إلى تموز/يوليو المقبل.


في محاولة لتجنب النتائج السلبية المتوقعة للصفقة على الناتو، فقد صعّدت الولايات المتحدة مؤخراً من ضغوطها على أنقرة في محاولة مستميتة لمنع إتمام الأمر. وفي حين تمثلت الجزرة الأمريكية بعروض متعلقة بصواريخ باتريوت كبديل عن المنظومة الروسية، كانت العصا حاضرة في المشهد على شكل تهديدات بعقوبات وبحرمانها من حصتها في مشروع طائرات F35 المقاتلة.


ورغم الانطباع الذي حصّله الوزير التركي من لقائه بترمب، إلا أن التهديدات الأمريكية على تركيا تبدو غير مسبوقة، ويحيل معظمها إلى تأثيرات سلبية متوقعة على الاقتصاد التركي الذي شهد هزة في الصيف الماضي إثر تصريحات ترمب وعقوباته على هامش محاكمة القس أندرو برونسون.


في السادس من آذار/مارس الفائت، هددت وزارةُ الخارجية الأمريكية تركيا بعقوبات مختلفة في إطار قانون مكافحة أعداء أمريكا بالعقوبات CAATSA، الذي ينص على فرص عقوبات على دول ثالثة وشركات على علاقة مع روسيا. وقبل أيام، كرر السيناتور الديمقراطي بوب منانديز التهديدات نفسها، مؤكداً أن تركيا “ستواجه عقوبات، ستضرب الاقتصاد التركي بشدة، وتهز الأسواق العالمية، وتثير فزع المستثمرين، وتشلُّ الصناعات الدفاعية التركية” على حد تعبيره.


رغم هذه اللهجة الحادة في التصريحات الأمريكية، وإدراك أنقرة أن التهديدات الأمريكية قد تتحول لواقع رغم “تفهم” ترمب المفترض، وحرصها على صون اقتصادها من أي هزات محتملة، إلا أنه لا يبدو أن تركيا ستتراجع عن الصفقة الروسية لأسباب عديدة أهمها:


أولاً، صعوبة التراجع عن الصفقة بعد كل المراحل التي سبقتها.


ثانياً، الخسائر الاقتصادية للتراجع عن الاتفاق، بما في ذلك المقدَّم الذي كانت دفعته وأي عقوبات جزائية مفترضة للتراجع.


ثالثاً، رغبة أنقرة في عدم توتير العلاقات مع موسكو في ظل تعاونهما في أكثر من صفقة عملاقة (مثل محطة أك كويو للطاقة النووية ومشروع السيل التركي للغاز الطبيعي) وفي ظلال المرحلة الدقيقة التي تمر بها الأزمة السورية حالياً.


رابعاً، حرص تركيا على سمعتها في الساحة الدولية وخصوصاً في مجال التصنيع الدفاعي وصفقات الأسلحة، التي دخلت سوقها مؤخراً كبائع ومصدِّر وليس فقط كمستورد.


خامساً، عدم ثقتها بالإدارة الأمريكية، ونظرتها لعرض صواريخ باتريوت على أنها مناورة لثنيها عن الصفقة الروسية دون ضمانات حقيقية.


سادساً، حرصها على عدم إهدار الوقت والحصول على المنظومة وتفعيلها في أسرع وقت ممكن.


سابعاً، أثبتت التجارب التركية في الأزمة السورية أن وعود ترمب وتصريحاته لا تجد طريقها دوماً للتنفيذ، بسبب تصادمها مع خطط ورغبات المؤسسات الأمريكية وخصوصاً البنتاغون.


لهذه الأسباب المهمة وغيرها، من الصعب توقع تراجع أنقرة عن صفقة S400 الروسية، ويبدو سيناريو تأجيل الاستلام غير مرجح وإن بقي قائماً. لكن من غير المرجح كذلك أن تحول أنقرة الأمر إلى أزمة مع الولايات المتحدة، ولذا فقد أبدت اهتمامها بعرض صواريخ باتريوت ولكن ليس كبديل وإنما كمكمّل للمنظومة الروسية. إذ تدرك أنقرة بالتأكيد مخاطر أي أزمة إضافية مع واشنطن، وحاجتها لتعاون الأخيرة معها – أو على الأقل عدم استعدائها – في عدة ملفات في مقدمتها دعمها للميليشيات المسلحة في الشمال السوري وملف جماعة كولن.


ما سبق ذكره يقول  إن استمرار الضغوط الأمريكية قد يأتي بنتائج عكسية أي دفع أنقرة أكثر فأكثر إلى حضن الدب الروسي. ولعل أحد مؤشرات ذلك المهمة حديثُ وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو عن احتمال إبرام بلاده لصفقة S400 ثانية في حال لم تتم صفقة صواريخ الباتريوت مع الولايات المتحدة، وتلقف موسكو ذلك التصريح بالاستعداد والترحاب.


لكن، وختاماً، لا يعني ذلك أن تركيا ستتجه تماماً نحو الشرق على قاعدة العداء والقطيعة مع الولايات المتحدة والناتو، على الأقل ليس في المدى المنظور ووفق المعطيات الحالية، فلم تعد مفقردات الحرب الباردة سارية في يومنا هذا. وإنما ما زالت تركيا حريصة على نسج علاقات شبه متوازنة – قدر الإمكان – مع مختلف الأطراف لما يمنحها ذلك من توازن ومرونة ومكاسب.


ولذلك، فالحد الأدنى الذي تسعى له أنقرة مع واشنطن هو تجنب القطيعة والأزمات مع جهود واضحة لمحاولة تفعيل مسارات التعاون والتنسيق قدر الإمكان، دون انزياح أو انحياز كامل لها على حساب العلاقة مع موسكو أو العكس.

جميع المقالات المنشورة في "منبر آسيا" تمثل رأي كتّابها فقط.