كتب علي مخلوف _ آسيا

 في كلِّ ما جرى ويجري في منطقتِنا منذُ العامِ 2011 وحتّى كتابةِ هذه السّطور، يستمرُّ العملُ بـ"بروتوكلاتِ حكماء صهيون".


يقولُ أحدهم: "إنَّ ما جرى في كلٍّ من العراق وتونس وليبيا وسورية واليمن مُخطّطٌ له مُسبقاً ومنذُ عقود، فيما يرى آخرون أنَّ عمليّةَ التخطيط لتعميمِ الفوضى في سورية بدأ منذُ العام 2003؛ أي بعد احتلالِ أمريكا للعراق، وبعد زيارةِ وزيرِ الخارجيّة الأمريكيّة كولن باول آنذاك لدمشق ولقائِهِ الرئيسَ بشار الأسد وعرضِهِ للطلباتِ الأمريكيّة المعروفة، رفضت دمشق، وعاد باول ليعطي أساطين القرار في الدولةِ الأمريكيّة العميقة الضوءَ الأخضرَ بوضعِ خطّةٍ طويلة الأمد لتدميرِ سورية، ألم تنتشر عبارة "تغيير سلوك النظام" لفترةٍ بين الأروقةِ السياسيّة وعلى المنابرِ الدبلوماسيّة والإعلاميّة؟!


بالعودةِ إلى الحديث عن بروتوكولاتِ حكماء صهيون كانَ أكثرُ ما يُلفتُ فيها هو البروتوكول الرابع منها والذي يقول: "إنَّ الجمهوريّات يجبُ أنْ تقومَ على الأُسسِ التالية: (ثورة العميان الفوضويّة، الاستبداد، الترويج لفكرةِ الحريّةِ والمساواةِ مع أنّها تُناقضُ قوانينَ الفطرةِ البشريّة، نشر المنافسات المادّيّة وتحويل المجتمع لأنانيّ غليظ القلب منحل الأخلاق يكافحُ من أجلِ الملذات).


ثمَّ يأتي البروتوكول السابع القائل: "إنّهُ يجبُ إرهاقُ كلّ دولةٍ تقفُ في طريقِ مخطّطاتِهم بحروبٍ مع جيرانِها وإلّا فلا بدَّ من افتعالِ حربٍ عالميّة".


فالبروتوكول الرابع عشر الذي قال: "إنّه يجبُ تغييرُ صورةِ المفاهيم العامّة كالحرّيّةِ عن طريقِ طرحِها والعمل بخلافِها على مدى طويل من الزمن".


فيما سبق نلاحظ ما يأتي: "التركيزُ على كلمة "حرّيّة" والعملُ بخلافِها لتعميمِ فكرةٍ مشوّهة عن معناها الحقيقيّ، وقد باتت "الحرّيّةُ" الموضةَ الدارجةَ في أيّامِنا هذه، إضافةً إلى التركيزِ على سِمة "القطيعيّة" في أيّ حِراكٍ لتحقيقِ الأهدافِ المرجوّة، وهذا ما شاهدناه في كثيرٍ من حركاتِ الاحتجاجِ الشعبيّة التي تحوّلت إلى حركةِ قطعانٍ تُسيِّرها الرياحُ من كلِّ حدبٍ وصوب.
لم تقتصر "الحربُ الناعمة" على دولِ منطقتنا، فقد سبقتها "الثوراتُ الملوّنة" في كلٍّ من (جورجيا وأوكرانيا و قيرغيزيا)، ثمَّ كانت في لبنان "ثورة الأرز" وبعدها "الثورة الزرقاء في الكويت" لتكرَّ سبحة "الثورات" وتتّخذُ أشكالاً جديدةً.


روسيا 1917 وسورية 2011


في 7 آذار من العام "1917" نظّمَ قادةُ المنشفيك اليهود تظاهرةً نسائيّةً في الشوارعِ احتجاجاً على النقصِ في الخبزِ فيما كان القيصرُ الروسيّ على الجبهةِ يتفقّدُ الجنودَ، وفي اليومِ التالي قامت النساءُ بتظاهرتهنَّ الكبرى، وبعد ذلك تدخّلَ الثوريّونَ وكانت جماعاتٌ مختارةٌ تقومُ بتظاهراتٍ جانبيّة، وفي تقاطعِ نيفسكي بروسبكت وقنال سانت كاترين، قام رجالُ الشرطةِ والجنود بتفريقِ المتظاهرين من دونِ أيّة إصابةٍ، وبدا أنَّ الأوامرَ المحدّدة كانت قد أعطيت للجنودِ لتجنّبِ التورّطِ في أيّةِ مشاكلَ تُؤجّجُ الأوضاع.


وفي التاسعِ من آذار امتلأت المنطقةُ بين نيفسكي بروسبكت وسانت كاترين حتّى محطّةِ نيقولاي بالجماهيرِ الحاشدةِ تحتَ تحريضاتِ مُثيري الفتنِ والمشاعر، وتولّت خيّالةُ الشرطة تنظيفَ الشارع، ولم يستعمل الخيّالةُ إلّا باطن سيوفهم، ولم تُستعَمل الأسلحةُ الناريّةُ أبداً، وأغاظَ هذا التسامحُ الزعماءَ الثوريّين، الذين أصدروا تعليماتِهم للمحرّضينَ بزيادةِ جهودِهم، لإحداثِ مُواجهةٍ مُباشرة بين الشعب وبين الشرطة والجنود، وفي الليلِ ركبَ الثوريّونَ مدافعهم الرشّاشة في مواضعَ خفيّة من المدينةِ بحسبِ الخططِ الموضوعة، وأخذوا يُطلقونَ النار على الجماهيرِ من أماكنِهم السرّيّة، فهاجَ الرُّعاعُ، وهاجموا الشرطة، متّهمينَ إيّاها بالبدءِ بإطلاقِ النار عليهم، وذبحوا شرطيّاً مقابلَ كلّ رجلٍ منهم، ثمَّ جرى إطلاقُ سراحِ المساجين، ليشتركوا في حملةِ الدم، وهكذا خلقوا الظروفَ المُلائِمةَ لشيوعِ الإرهاب وعدم الاستقرار.


والإثباتات حول الدورِ الذي لعبه الصيارفة العالميّون لمصلحةِ لينين في الثورة الروسيّة، موجودةٌ في "الكتاب الأبيض" الذي صدرَ في بريطانيا بإذنِ الملكِ في عام 1919 "روسيا رقم 1".. ولكن الصّيارفة العالميّين العاملينَ من خلالِ مدراء مصرفِ إنكلترا "أقنعوا" الحكومةَ البريطانيّةَ بسحبِ الوثيقةِ الأصليّة، واستبدالها بأُخرى حُذِفَت منها كلّ إشارةٍ لليهودِ العالميّين، يقولُ فرانسوا كوتي في عددِ الفيغارو في 20 شباط 1932: "إنَّ الهِبات التي كان يمنحها يعقوب شيف لحركاتِ الفوضويّين والثوريّين في روسيا وسائر البلاد، ليست نفحاتٍ من الكرمِ الفرديّ وقد أسّست في الولايات المتّحدة منظّمة روسيّة إرهابيّة على نفقةِ شيف، مهمّتها اغتيالُ الوزراءِ والحكّامِ ورؤساء الشرطةِ وغيرهم".


الثورةُ الإنجليزيّة وسورية.. الحرُّ أنموذجاً


لمّا كان الملكُ إدوار الأوّل ملك إنكلترا، هو أوّلُ من طردَ اليهودَ من بلادِه، فقد قرّرَ سادةُ المالِ اليهودِ في فرنسا وألمانيا أنْ تكونَ إنكلترا بالذات هي هدفهم الأوّل.


وهكذا شرّعت خلاياهم بإثارةِ الشِّقاقِ والمتاعب بين الملك وحكومته، وبين أربابِ العملِ والمستخدمين، وبينَ العمّال والمالكين، ثمَّ بين الدولةِ والكنيسة.. ودسّ المتآمرونَ نظريّاتٍ ووجهاتِ نظرٍ مُتناقِضة، تُنادي بحلولٍ مختلِفةٍ في أمورِ السياسةِ والدِّين، لشقِّ صفِّ الشعبِ الإنكليزيّ وتحويله إلى معسكراتٍ متنابِذة.. فقسّموا الشعبَ الإنكليزيّ أوّلاً إلى معسكرين: (بروتستانتي وكاثوليكي)، ثمَّ انقسمَ المعسكرُ البروتستانتي إلى طائفتين: الملتزمين والمستقلّين.


ولمّا وقعَ الخلافُ بين ملكِ إنكلترا شارل الأوّل والبرلمان، اتّصلَ عملاءُ المرابي اليهوديّ (مناسح بن إسرائيل)، بالقائدِ الإنكليزيّ المُعارِض أوليفر كرومويل، وعرضوا عليه مبالغَ طائلة من المالِ إنْ استطاعَ تنفيذ مشروعِهم الخفيّ، الرامي إلى الإطاحةِ بالعرشِ البريطانيّ.


وكان الزعيمُ البرتغاليّ اليهوديّ فرنانديز كارفاجال يلعبُ دورَ المُخطِّطِ الرئيس للشؤونِ العسكريّة لعمليّاتِ كرومويل، فأعادَ تنظيمَ أنصار كرومويل المعروفين بـ"الرؤوس المستديرة"، وحوّلهم إلى جيشٍ نموذجيّ، وجهّزهم بأحسنِ ما يمكنُ من الأسلحةِ والمعدّات، وعندما كانت المؤامرةُ في طريقِ التنفيذ، كان يتمُّ تهريبُ المئاتِ من المخرّبين المدرّبين إلى إنكلترا، للانخراطِ في الشبكاتِ الخفيّةِ التي كان يُديرها اليهود.


وفي إسقاطِ ما تمَّ في إنجلترا آنذاك على ما يحصل في سورية الآن، نلاحظُ أوجهَ الشبهِ الآتية: أوّلاً اعتمدَ اليهودُ العالميّونَ على إشاعةِ الفرقةِ بين الشعبِ الإنجليزيّ فأثاروا النعراتِ الطائفيّةَ والسياسيّة، وفي سورية تمَّ التركيزُ على المذهبيّةِ بسببِ الخصوصيّةِ السوريّة، فرأينا عباراتٍ مَقيتةٍ مثل: "فلان عبيروت وعلان عالتابوت"، إضافةً إلى وجودِ تقسيمٍ اجتماعيٍّ سياسيٍّ ديموغرافيّ ركّزت عليه وسائلُ الإعلامِ يتمُّ الحديثُ فيه عن الأطيافِ السوريّة، ولم يتوقّف الأمرُ عند ذلك؛ بل زادوا محاولاتِ التفريق من خلالِ مصطلحاتٍ وعباراتٍ تُشيرُ إلى التوجّه السياسيّ (عوايني، شبيح، معارض، مؤيد...إلخ).


ومن أوجهِ الشبه –أيضاً- أنَّ اليهودَ اعتمدوا على شخصيّةٍ بريطانيّةٍ مُعارِضةٍ للملكِ في الخارج، فيما اعتمدت الدولُ الراعيةُ للمخطّطِ على سورية أشخاصاً هم بمثابةِ "كرومويل" آخر جلّهم دُمى في مجلسِ إسطنبول، بالإضافةِ إلى بعض الأدواتِ التي تقبعُ في الداخلِ السوريّ، وتمَّ دعمهم بالغطاءِ السياسيّ والإعلاميّ والمالي.


أمّا الشبهُ الثالثُ والأخطر في إنجلترا كان هناك جيشُ "الرؤوس المستديرة" الذي تمَّ جمعُه من مرتزقةٍ وقُطّاعِ طُرقٍ ومساجينَ وأُناسٍ لديهم أحقادٌ شخصيّةٌ ضدَّ الدولةِ، وتمَّ دعمهم بالمالِ والسلاحِ والعتادِ والتدريبِ في الخارج، ومن ثمَّ إرسالهم من الدولِ المجاورةِ إلى بريطانيا، وفي سورية هناك ميليشيا "الجيش الحرّ" الذي لَمَّ شملَ التكفيريّينَ وأصحاب السوابق وبعض عديمي التعليمِ والثقافةِ والوصوليّينَ الذين لم يُكتَب لهم نصيبٌ من النجاحِ أيّام الرخاء والسلم، وقد جمع هؤلاء إمّا التعصّب المذهبيّ المَقيت أو الأحقاد الشخصيّة على الدولةِ، ولقد جرى إقامةُ معسكراتٍ تدريبيّةٍ لهم في الدولِ المجاورةِ، ثمَّ تمَّ تمريرُهم عبر الحدودِ إلى الداخلِ السوريّ، بالمحصلةِ ميليشيا "الحرّ" هي شكلٌ جديدٌ لجيشِ المتمرّدين المُكنّى بالرؤوسِ المستديرةِ والذي دعمه أصحابُ المالِ العالميّون من اليهودِ فتأمّلوا.


فيما سبقَ من الثوراتِ التي قامت في كلٍّ من روسيا وإنجلترا وفرنسا، نجدُ أنَّ من يقف وراءها هو رأسُ المالِ اليهوديّ مباشرةً، وفي بعضِ الأحيان رؤوسُ الأموالِ الماسونيّة المرتبطةِ باليهوديّةِ العالميّة، في تلك الدول الأوروبيّة كانت اليهوديّةُ العالميّةُ مباشرةً ممثّلةً بـ"آل روتشيلد" تقدّمُ المبالغَ الماليّةَ الضخمةَ للفاسدينَ كي يتعاونوا معهم وتدعم الميليشياتِ الإرهابيّةَ والإجراميّةَ بالمالِ والسلاح والعتاد والتدريب، وتقلبُ أنظمةً لتوجِدَ مكانَها أنظمةً أُخرى تضمنُ سيطرة اليهوديّة العالميّة على الاقتصادِ والقرارِ السياسيّ في كلِّ بلدٍ تقومُ فيه ثورةٌ مركّبةٌ من قبلهم، وهنا تخرجُ أصواتٌ لاتّهامِ بعضِ الأنظمةِ العربيّةِ بدعمِ ما أسموه بـ"الثورة" في سورية.


في الثوراتِ التي قامت في كلٍّ من روسيا وإنجلترا كانت الدماءُ هي اللّونُ الطاغي على شوارعِ مُدنِها، واللا أمانُ هو المُسيطرُ على المشهد، الانقساماتُ بين الشعوبِ باتت هي الأكثر شيوعاً، وهو أيضاً ما جرى في سورية: عمليّاتٌ نوعيّةٌ إرهابيّة وعمليّاتُ خطفٍ وذبحٍ على الهويّةِ، ومجازر تهدفُ لخلقِ الفتنِ بين أطيافِ المجتمع، لا شكَ -إذن- في أنَّ الثورةَ في سورية شقيقةٌ لتلكَ الثوراتِ التي وقعت منذ عقود، فلم تحمل معها إلّا الألم والحزن وعدم الاستقرار وارتهان بعضهم للخارجِ، "بحسب تعبير أحد الخبراء".