خاص وكالة أنباء آسيا - محمد عبد المجيد الأنصاري

 سُجن العالم البارز أحمد بن حنبل (780 إلى 855)، الذي أسّس أحد المذاهب السنّية الأربعة في الفقه الإسلامي، وضُرِب بالسوط ذات مرّةٍ حتى سقط مغشياً عليه في أحد الخلافات مع الخليفة العباسيّ في بغداد، وبعد قرابة خمسة قرون، قضى أحد كبار الأئمة من المذهب نفسه الأصوليّ الصارم، الإمام ابن تيمية، حتفه في السجن بدمشق، هذان الشيخان يُعدّان الأبوين الروحيّين لمن جاء بعدهم من مفكّرين وما ظهرت من حركات، التي عرفت لاحقاً باسم "المذهب السلفيّ"، الذي يدعو إلى العودة إلى منهاج السلف الصالح.


أثّرا في شخصٍ آخر جاء من بعدهم، كان لتفكيره وكتاباته وقعٌ هائل ومستمرّ على المنطقة وعلى الحركة السلفية، ومن أحد أشكالها، "الوهابية"، التي سُمِّيت على اسم هذا الرجل، وُلد محمد بن عبد الوهاب عام 1703 في قريةٍ صغيرةٍ في منطقة نجد، في قلب شبه الجزيرة العربيّة، واتّخذ عبد الوهاب، الاتّجاه الأكثر تزمّتاً وصرامةً من ما كان يرى أنّها العقيدة الأصليّة، وطوّرها، وسعى إلى نشرها بإبرام مواثيق مع أصحاب السلطة السياسيّة والعسكريّة، وفي أُولى محاولاته في هذا الاتّجاه، كان أوّل إجراءٍ اتّخذه هدم ضريح زيد بن الخطاب، أحد صحابة النبي محمد، متذرّعاً بأنَّ العقيدة السلفيّة التي تدعو إلى الزهد والتقشّف، والتي تقضي بأنَّ تعظيم القباب شركٌ بالله، لِمَا فيه من تقديسٍ لشيءٍ أو شخصٍ ما غير الله، ولكن في 1744، دخل عبد الوهاب في تحالفٍ حاسم مع الحاكم المحلّي محمد بن سعود في صورة ميثاق جعل الدعوة الوهابيّة هي البعد الدينيّ أو الفكري للتوسّع السياسيّ والعسكريّ السعوديّ، وكان ذلك لمصلحة الطرفين.


انتشر هذا التحالف الثنائيّ، الذي طرأت عليه تعديلاتٌ عديدة، ليشمل جلّ شبه الجزيرة العربيّة، وما زال مستمرّاً إلى يومنا هذا، يحكم بمقتضاه آل سعود بالتوافق مع المؤسّسة الدينيّة الوهابيّة المتشدّدة، وإنْ كان هذا التوافق قد مرّ ببعض الفترات الصعبة.


وقد وفَّر كلّ من تأصَّل السلفيّةَ الوهابيّة في المملكة العربية السعودية، جنباً إلى جنب مع المليارات من البترودولارات (عوائد النفط المدفوعة بالدولار)، التي وضعت تحت تصرفها، بيئةً خصبةً لنموّ العنف الجهاديّ في المنطقة في العصر الحديث، والجهاد يعني النضال في سبيل الله، وهو ما قد يشمل صوراً كثيرةً من جهاد النفس، ولكنّه يُفسّر في الغالب كدعوةٍ لشنِّ حربٍ مقدّسة، وثمَّة رجلٌ يُنسَب إليه دوماً الفضل تارةً لاستحضار الفكر السلفيّ إلى القرن العشرين، وينحى عليه باللائمة تارةً أُخرى، وهو المفكّر المصريّ "سيد قطب"، فقد عمل قطب على توفير جسرٍ بين فكر عبد الوهاب وأسلافه وبين جيلٍ جديد من الجهاديّين، ممهّداً السبيل لظهور تنظيم القاعدة وكلّ ما تلاها فيما بعد، ومن وجهة نظر قطب، فالجهاد ضدّ الغرب وعملائه في المنطقة هو السبيل الوحيد الذي سيستعيد العالم الإسلاميّ نفسه من خلاله، وكان ذلك في جوهره، نوعاً من القبول لفكرة التكفير، التي لا تسوّغ قتل مسلمٍ فحسب؛ بل تجعل قتله فرضاً يُثاب فاعله، لكنَّ قطب كان سابقاً لعصره، وقد خُلّدت أفكاره في 24 كتاباً قرأها عشرات الملايين، ونقلها إلى غيره من خلال تواصله الشخصيّ مع معارفه من الناس، كان من بينهم أيمن الظواهري "مصري آخر"، وهو القائد الحاليّ لتنظيم القاعدة، وقال صديقٌ مقرّب من مؤسّس تنظيم القاعدة أسامة بن لادن: "كان قطب هو الأكثر تأثيراً في جيلنا". كما وُصف بأنّه: "مصدر الفكر الجهادي"، و"فيلسوف الثورة الإسلاميّة"، ومن هذه التراتبيات والتراكمات الزمنية نشأ الفكر الذي تبنّاه داعش.