الاثنين 25 حزيران 2018م , الساعة 04:34 مساءاً بتوقيت بيروت

إتصل بنا أعلن معنا عن آسيا أخبار الرئيسية

آخر الأخبار :



كتبت زينب يوسف عواركة: داخل بيوتِنا عدوّنا الأكبر "التّلفاز"

2018.03.10 06:20
Facebook Share
طباعة

قد تختارُ أمّهاتٌ كثيراتٌ التلفازَ كوسيلةٍ لإلهاءِ أبنائِهنَّ أو لإسكاتِهم، ليتسنّى للأمِّ أنْ تقومَ بالأعمالِ التي تتطلّبُ هدوءاً أو تركيزاً، إلّا أنّهنَّ لا يعلمنَ أنّهنَّ بذلكَ يقُمنَ وبشكلٍ غير مقصودٍ بجعلِ أبنائِهنَّ مُدمنين، فالإدمانُ ليس إدمان المخدّراتِ والكحولِ فقط، بل هو التعلّقُ بشكلٍ مرضيٍّ بأيِّ شيءٍ آخرَ، وعدم قدرةِ الفردِ على مقاومتِهِ أو الابتعادِ عنه، إلّا أنَّ الأفظعَ ليس ترك الطّفلِ أمامَ التلفازِ عموماً، بل عدم مراقبةِ البرامجِ والأفلامِ التي يُشاهدها، والتي قد تَطبَعُ في شخصيّتهِ عاداتٍ وتصرفاتٍ منافية للتربيةِ والأخلاقِ التي يطمحُ إليها الأهل.

يُجمِعُ أطبّاءُ الأطفالِ وعلماءُ النفسِ على ضرورةِ منعِ الأطفالِ دون السّنتين من مشاهدةِ التلفاز، لِمَا لذلكَ من تأثيرٍ على نموّهم العقليّ والجسديّ، ومن هذا المُنطَلق، يُفضّلُ الأطبّاءُ والمختصِّونَ مناقشةَ عددِ السّاعاتِ التي يقضيها الأطفالُ الذين تبلغُ أعمارهم سنتين وأكثر أمامَ التلفاز، بالإضافةِ لنوعيّة البرامجِ التي تكون محطّ اهتمامِهم.
هدفي من كتابةِ هذا المقال ينبعُ من اهتمامي وبشكلٍ شخصيٍّ كأمٍّ بالتركيزِ على النتائجِ التي تُخلّفها البرامجُ التلفزيونيّة ووسائلُ الإعلامِ الأُخرى على الأطفالِ والمراهقين، فهل التلفازُ هو سببُ العللِ والآفاتِ التي تنهشُ جسدَ مجتمعاتِنا العربيّة؟ ربّما، فمجتمعاتِنا اعتادت على مدى العقودِ الماضيةِ على التلقّي والتطبيقِ دون الانتباهِ أو الاهتمامِ لِمَا تتلقّاه، تلقّت الثقافةُ والأخلاقُ الغربيّةُ "السيّئة" دون غيرها، والوسيلةُ الأُولى لذلك كانت البرامجُ التلفزيونيّة والأفلامُ التي كانت وما تزالُ تبثُّ الصّورةَ الأبشعَ والأعنفَ والأقلّ انحطاطاً للمجتمعاتِ الغربيّة، فهل هذا ما نُريدهُ فعلاً لأبنائِنا، أبناءُ هذا الجيلِ الذي نطمحُ له أنْ يُغيّرَ الواقعُ ويحسّنهُ ويُجمّله؟
خلالَ قراءتي لبعضِ الأبحاثِ والدراساتِ حولَ الآثارِ السّلبيّة للتلفازِ على الأطفال، استحضرتني واقعةٌ حصلت مع أحد أطباءِ النفسِ العياديّ عندَ سؤالِهِ لطفلةٍ عن "ممّن تتألف أسرتها" فأجابت "من ماما وبابا وأخي والتلفاز"، لهذا الحدّ أصبحَ التلفازُ جزءاً لا يتجزّأُ من حياتِنا حتّى باتَ فرداً أساسيّاً من الأُسرى، فردٌ يلجأُ إليه الطفلُ أو المراهقُ في أوقاتِ مللهِ، في وقتٍ من المُفتَرَضِ أنْ يلهو فيه مع أصدقائِهِ أو إخوتِهِ، أو حتّى الحديث مع أبويه، إذاً، أُولى سلبيّات التلفازِ إبعادُ الطفلِ أو المراهقِ عن أفرادِ أسرتِهِ وجذبِهِ للبرامجِ التي قد تُسلّيه، أمّا التأثيرُ الآخرُ والذي يُعدُّ الأخطرُ بحسبِ علماءِ النفسِ والاجتماع، ميلُ الأطفالِ لأعمالِ العنف، فالأبطالُ الذين يُشاهدونَهم على التلفازِ كسبايدرمان وسوبرمان وغيرهما، والذين يُعدّونَ في بعضِ الأحيان مَثلَ الطفلِ الأعلى، لا تخلو تصرّفاتِهم من أعمالِ العنفِ كالضرب، وقد تصلُ أحياناً للقتلِ، فكم من مرّةٍ سمعنا فيها عن حوادث وقوعِ الأطفالِ من الشّرفاتِ بسببِ تقليدِهم للأبطالِ الخياليّين هؤلاء، أو ضربِ إخوتِهم وإيذائِهم لأنّهم "أشرار" ويجبُ القضاءُ عليهم.

وتشيرُ الدراساتُ إلى أنّه على الصّعيدِ الأكاديميّ، لمشاهدةِ الأطفال التلفزيون تأثيرٌ سلبيٌّ على ذكائِهم، فكلّما زادت مشاهدةُ الأطفالِ للتلفزيون، انخفضَ مستوى تحصيلِهم الدراسيّ، فبعدَ دراسةٍ علميّةٍ قام بها بعضُ الاختصاصيّينَ الاجتماعيّين، قارنت بين تلاميذِ الصّفّ السّادس الذين جاؤوا من بيوتٍ يبثُّ فيها جهاز التلفزيون باستمرار، وبين زملائِهم الذين يتمُّ تشغيلُ التلفزيونِ في منازلِهم لوقتٍ أقل، تبيّنَ أنَّ درجاتِ القراءةِ لدى هاتين المجموعتين أظهرت اختلافاً كبيراً بينهما، فقد كانت درجاتُ ثلثي تلاميذ البيوتِ الذين يُشاهدونَ التلفاز باستمرارٍ تحتَ مستوى الصفِّ المطلوب، أي أضعف من المستوى المطلوبِ لطلّابِ الصّفّ السّادس، بينما فاقت درجاتُ ثلثي المجموعةِ الأُخرى مستوى الصّفّ، أو أعلى من ذلك.

وممّا لا شكَّ فيه أنَّ التلفازَ قادرٌ على أنْ يُثبّتَ في الطفلِ أنظمةً من المبادئ والقيم، قيمٌ مُغايرةٌ لتلكَ التي تسعى أسرتهُ إلى زرعها فيه، ووقعُ هذا التأثيرِ يصبحُ أقوى كلّما ازدادَ وتكرّرَ عرض النماذج التلفزيونيّة، وقد يزدادُ الأمرُ سوءاً كلّما كانَ خيالُ الطفلِ أو المراهقِ أوسعَ، وتنطبقُ هذه الحالةُ على البرامجِ ذات الإيحاءاتِ الجنسيّة، فيتعلّمُ الطفلُ أفعالاً منافيةً للأخلاقِ، فيما يتعلّقُ المُراهقُ بمشاهدَ جنسيّة قد تورّطهُ فيما بعد بأعمالٍ وتصرّفاتٍ منافيةٍ للأخلاق.

ومن مساوئ التّلفاز أيضاً، سوءُ التغذيةِ أو البدانةِ المُفرِطة، فقد يندمجُ الطفلُ أو المُراهِقُ بالبرامجِ التي يُشاهدها، لدرجةٍ تسدُّ شهيّتهُ عن الطعام، أو خوفاً من تضييعِ الوقتِ في الأكلِ خشيةَ أنْ يفوتَهُ مشهدٌ ما، ممّا قد يؤدّي إلى سوءِ التغذية، في المقابل، قد يُصبحُ الطفلُ شَرِهاً لدرجةِ أنّهُ يعجزُ عن التوقّف عن الأكلِ، خاصّةً المأكولاتِ المصنّعةِ من الشّوكولا ورقائقِ البطاطا المقلية (التشيبس)، وكلُّ هذه الأطعمةِ السّريعة والضّارة، والتي تؤدّي إلى اكتسابِ الوزنِ بشكلٍ سريعٍ وملحوظ.

كلُّ ما ذكرناهُ نقطةٌ في بحرِ المخاطرِ التي تحيطُ بأبنائِنا بسببِ التلفاز، لهذا نحنُ أمّةٌ تنحدرُ شيئاً فشيئاً، بسببِ ما يُبثّ لها عبرَ الأقمارِ الصّناعيّة، ناهيك عن الإنترنت عبر وسائلَ التواصلِ الاجتماعيّ، ولهذا نحنُ أمّةٌ لا تقرأ، لأنّها تستسهلُ الأمورَ، فهل نريدُ لأبنائِنا أنْ يحيوا حياةً كهذه، أمْ أنّنا سنعملُ على تغييرِ إيقاعِ حياتِنا اللامنظّم؟ كلّ ذلكَ يعودُ للأهدافِ والأولويّات التي يرسمها كلّ فردٍ لنفسِهِ ولأسرتهِ، والتي تشكّلُ بذاتِها المجتمعَ الذي نعيشُ فيه عموماً، ولنغيّرَ المجتمع الأكبر، علينا أنْ نبدأَ بتغييرِ أنفسنا ومجتمعاتِنا الصّغيرة التي نعيشُ فيها.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق:
* الاسم  
   البريد الالكتروني  
   العنوان  
* التعليق
* اكتب ناتج 10 + 3
 
منبر آسيا المزيد ...   ثقافة وفن المزيد ...   إقتصاد المزيد ...   رياضة المزيد ...   صحة وجمال المزيد ...  
شاهد المزيد
ألبوم الصور
اشتباكات بين عائلتي الجمل وجعفر في الهرمل الأسد: سأزور إيران قريباً مجدداً.. أهالي الموقوفين الاسلاميين يعتصمون في طرابلس بالصورة: اعتصام  لموظفي "سعودي أوجيه" في طرابلس بالصور: سقوط طائرة إسرائيلية في جنوب لبنان بالصور: اغتيال نائب مسؤول الأمن الفلسطيني داخل مخيم المية ومية للمرة الأولى.. قاتل الإلكترونيات في سوريا!! صورة: انتهاكات السعودية في اليمن 11 آذار 2018 وفاة عائلة مؤلفة من 5 أشخاص إثر احتراق منزلها في النبطية بالصور: إخماد حرائق في مناطق لبنانية