الثلاثاء 23 تشرين الأول 2018م , الساعة 10:21 مساءاً بتوقيت بيروت

إتصل بنا أعلن معنا عن آسيا أخبار الرئيسية

آخر الأخبار :



كتب د. مصطفى علوش عن إيرانَ وأحداثها

2018.01.08 08:46
Facebook Share
طباعة

"عندما تتّسع المعرفةُ تضيقُ مساحةُ الأسطورة، وعندما تضمر المعرفة تُثب الأسطورة لتملأ الفراغ".


يقول "جوزف شومبيتر" أحد عباقرة الاقتصاد في القرنِ العشرين، في كتابه عن "الرأسماليّة، الاشتراكيّة والديمقراطيّة"، الذي طبعه سنة ١٩٤٩، وأصبحَ أيقونةً علمي الاقتصاد والاجتماع، إنّ الشيوعيّة بالنسبةِ لأتباعِها ليست فقط خياراً سياسيّاً، بل هي تعدّت كلّ ذلك لتتحوّل إلى دينٍ بكلّ ما للكلمةِ من معنى! فالمؤمنونَ بالشيوعيّة كانوا يعتبرونَ "كارل ماركس" نبيّاً حقيقيّاً، وكانت أدبيّات الشيوعيّة الأساسية تشبهُ الكتبَ المقدّسة للشيوعيّين، كما أنَّ القادة الكبار منهم كانوا يُعتَبرونَ قدّيسين تُعلّق صورهم في البيوت ومقارّ الحزب، وتُحَاطُ بكلّ شعائر الإجلال والاحترام مثل التعاويذ والأيقونات، كما أنَّ الشيوعيّة كانت تعني نهجاً متكاملاً في الحياة، لها أهدافها المثاليّة وقواعدها المُقدّسة التي مثّلت في فترةٍ من الزمن "خلاص البشرية" من مآسيها وآلامها وشرورها، وكان لها شعبها المختار الذي سيعبرُ من خلالِها إلى الجنّة الموعودة التي كانت تُدعَى اليوتوبيا.


ولكن، ورغم كلّ ذلك، ورغم انتشار أفكارها في مختلفِ أصقاعِ الأرض، ورغم ملايين "الشهداء" من مُعتنقِيها الذين ماتوا ولم يبلغوا جنّتهم الموعودة، انهارت الشيوعيّة بسرعةٍ تحتَ وطأةِ الاقتصاد الفاشل والأمل المفقود في تحسّن الحال. وكثيراً ما كانَ الشعبُ الروسيّ يُردّد قُبيلَ انهيارِ الإمبراطوريّة السوفياتيّة، ما لنا ولأفغانستان، ما لنا ولأمريكا اللاتينيّة، ما لنا ولمنظومة الدول الاشتراكيّة؟


لا أريدُ الإيحاء من كلّ ما سبق بأنّني أتوقّع المصير نفسه لإيران من خلال ما حدث في الأيّامِ الماضية، لكنّ الشيء بالشيء يُذكَر، ولا أظن أنّه حتّى المرشد الأعلى مُقتنعٌ بأنَّ نظامه سيصمدُ إلى يومِ معركة "حرّ مجدو"، ولا أنّه، ولا حتى خليفتهُ الفَرضيّ، سيتمكنان من مدِّ سلطةٍ نسختهما من الإسلام على مساحةٍ كافية لإقناعِ صاحب الزمانِ بالظهورِ لقيادةِ المعركة النهائيّة بين الخير والشكّ، على الرغم من أنَّ أحمدي نجاد مُقتنعٌ بأنّه عاد ولمْ يعد هناك حاجةٌ لوكيلٍ عنه لقيادة الناس.


لكن كلّ ذلك لا يبدو موضع البحث الآن، فمن ثارَ في إيران اليوم لمْ يقم بذلكَ إلّا لشعورٍ بالظلمِ والقهرِ من رؤيةِ ثروة بلده تُهدَر، في وقتٍ يعيشُ هو وأبناؤه في فاقةٍ وعَوز.


لمْ يَعُدْ ذاكَ الغاضبُ في شوارعِ تبريز أو طهران أو أصفهان يهتمُّ بمن سيقودُ المعركة الأسطوريّة، فمعركته هي مع قوتِهِ اليوميّ ومع ذلّه ومهانته.


هذا المواطنُ الفارسيّ الذي يحملُ على كتفيهِ وزرَ الثقافةِ والحضارة وفخرها، كان يمكنه تحمّل المزيد من الآلامِ في سبيلِ عودة أمجاد الإمبراطوريّة، لو أنّه لمْ يرَ ثروات بلده تُهدَر على قادة الحرس الثوريّ وهم يبتلعونَ الاقتصاد ويعيشون في مجدِ البطولات ورَفاهِ العيشِ الرَّغيد، في وقتٍ يكتفي هو بالمشاهدة، وهو يقولُ ما نفع رفع كلّ تلك الأعلام لإيران الإسلاميّة مزروعةً على أبنيةِ المدنِ المدمّرة في العراق وسورية واليمن، وما نفع الخطابات الحماسيّة في ساحاتِ لُبنان، والأتباع يهتفونَ لبيك لبيك، في حين أنَّ أبنائي جياع؟


لا أعلمُ في هذهِ اللّحظةِ ما هو مستقبلُ الغضب الإيرانيّ، فالحِراكُ ما زال عفويّاً، ومن دونِ قيادة، ومن الواضحِ أنَّ قوى السلطة التي كانت تتبادلُ الأدوارَ في السنواتِ الماضية بين محافظٍ وإصلاحيّ، وحّدت صفوفها لمواجهةِ غضبِ الناس.


لقد وضحت الصورة بشكلٍ أكبرَ اليوم، فلعبةُ الديموقراطيّة والمُعارَضة تحت ظلِّ عباءَة المرشدِ الأعلى، كانت مجرّد لعبةً خبيثةً لواقعِ السلطةِ المطلقة التي تقبضُ على الأنفاس والمال. أنا لا أظنُّ اليوم أنَّ لحظة التغيير قريبة في إيران بالرغمِ من حجم الحِراك، فقوى السلطة ما زال لديها كلّ مقوّمات الدفاع عن مصالحها، ولا أظنُّ أنَّ الغضبَ سيتحولُ إلى ثورةٍ، فثمن التغييرِ اليوم هو بالتأكيد حمّام دم، لكنَّ المُؤكّد هو أنَّ قداسةَ الحكمِ قد كُسِرَت، بعدما انكشفت الأسطورةُ بأنّها مجرّدُ مجموعة أوهام.


المصدر / الصفحة الرسمية للدكتور مصطفى علوش

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق:
* الاسم  
   البريد الالكتروني  
   العنوان  
* التعليق
* اكتب ناتج 10 + 3
 
منبر آسيا المزيد ...   ثقافة وفن المزيد ...   إقتصاد المزيد ...   رياضة المزيد ...   صحة وجمال المزيد ...  
شاهد المزيد
ألبوم الصور
بالصور: هكذا أحيت بلدية القاع ذكرى "فجر الجرود" بالصور: البخاري يودع الحجاج في مطار بيروت روحاني: لا مفاوضات مع ترامب بعد تخليه عن الإتفاق النووي بالفيديو: كارثة بيئية تصيب بحيرة القرعون بالفيديو: ماقصة الاشكال في الشياح؟ اشتباكات بين عائلتي الجمل وجعفر في الهرمل الأسد: سأزور إيران قريباً مجدداً.. أهالي الموقوفين الاسلاميين يعتصمون في طرابلس بالصورة: اعتصام  لموظفي "سعودي أوجيه" في طرابلس بالصور: سقوط طائرة إسرائيلية في جنوب لبنان