الأربعاء 20 شباط 2019م , الساعة 02:39 صباحاً بتوقيت بيروت

إتصل بنا أعلن معنا عن آسيا أخبار الرئيسية

آخر الأخبار :



أربعاء حمص المجنون، لوثة الجنون التاريخية !

خاص وكالة أنباء آسيا_طارق علي

2017.12.23 11:32
Facebook Share
طباعة

 " يروى أن حمصياً أخذ دواءه قبل ساعتين من موعده ليفاجئ الجراثيم "، هذه واحدة من آلاف النكات التي تطلق على أهل المدينة التي تتوسط سوريا، النكات التي تلاقي رواجا في داخل البلاد، بل وحتى على مستوى دول الجوار، أهل حمص هم من يطلقون تلك النكات على أنفسهم، أهل المدينة الذين لطالما عرفوا بحس الدعابة والفكاهة رغم كل ما مرت به المدينة عبر التاريخ.


ليس بالأمر اليسير أن تخترع نكتة، ولكن أهل حمص برعوا على الدوام في هذا الأمر، حتى صار مرتبطاً بهم, فأنى ذكرت حمصياً، تبادر إلى ذهنك طيبته وقصته مع الأربعاء المجنون.


وإن ارتباط النكتة بأهل المدينة مرده لسببين مترابطين في الجذر، فالعقل الجمعي يحفظ عن أهل المدينة ميلهم لابتكار الطرائف وتسويقها، فضلاً عن التدوين التاريخي لهذه المفارقة التي امتدت على طول مراحل من الصراع التي عاشتها المنطقة من حروب وغزوات وفتوحات.


الأربعاء السعيد " المجنون " :

يطلق أهل سوريا عموماً، وحمص خصوصاً، على هذا اليوم اسم " عيد الحماصنة " أو " عيد المجانين "، فيبررون أي شيء يرتكبونه في هذا اليوم ممازحين بعضهم بجملة " معيدين لا حدا يواخذنا "، حتى راج عن حمص وعيدها في عموم البلاد أمر أهل هذه المدينة، واكتسب شهرة كادت تدفع بحمص لنيل لقب " عاصمة الضحك العالمية "، وهي مبادرة جدية أطلقها ناشطون قبل الحرب التي سرعان ما وأدتها الحرب المستجدة.

إله الشمس وحمص ما قبل التاريخ :


شغلت حمص مكانة مهمة في التاريخ الديني عززتها ديانة الشمس القديمة، والتي حاول الملك ايلانكا بعل أحد أباطرة الأسرة الحمصية نشرها ما بين " 220-222 م"، مستعيضاً بها عن آلهة الأولمب وكبيرها جوبيتر.
كان الملك صاحب ثاني كبرى محاولات نشر الديانة الشمولية الشمسية بعيد المحاولة الفرعونية الأولى في التاريخ " 1353 ق.م" على يد الفرعون أخناتون.


جوليا دومنا الشهيرة كان ابنة ايلانكا وهي مؤسسة السلالة السورية التي حكمت روما، وابنة الكاهن الأعلى لمعبد الشمس، وكان لها صالون أدبي ضمت فيه أمهر فقهاء العصر ومن بينهم جالينوس أشهر أطباء زمانه، وبابنيان الحمصي أول محام ما قبل التاريخ، وحين انتقال الأسرة إلى روما واجهت مشاكل مع العقيدة المسيحية، قبل أن تنصرف الحاكمة عنها لتحافظ على العقيدية الدينية القديمة.


ويحفظ لجوليا أنها كانت تحب مجالس الطرائف والنكت حتى أنها طلبت من بانينان مرة أن يروي طرفة حصلت معه عند نهر الفرات، فروى بانينان قصته أنه وعند عبور النهر قابل موظف الأمن الذي سأله ماذا تحمل معك، فمازحه قائلا الصدق والوفاء والعدل، وهذه الألفاظ الثلاث باللاتينية مؤثنة، فقال له الموظف إذا هات 3 جوازات سفر لك وللإناث الثلاث*.


وقد أورد الباحث فراس السواح حديثه عن الأسرة السورية التي حكمت روما لربطها بثقافة النشأة الحمصية التي تختلف عن مثيلاتها في المدن المجاورة لناحية ميل أهل هذه المنطقة لحب الطرائف وابتداعها وابتكارها.


*د-فراس السواح – باحث سوري عالمي


قصة سمعان الأهبل :

أما الباحث التاريخي المعاصر نهاد سمعان فيقول أن هناك قصة أخرى تقول أن أحد الرهبان ويدعى سمعان أشاع في حمص طريقة جديدة للتعبد وهي نكران الذات والتهبل وذلك عام 550 ميلادي، وهي فلسفة خاصة بهذا الراهب، وهذه الفلسفة ارتبطت معه بنشأته الدينية التي قضاها شمال الأردن كناسك متعبد يقتات على الحشائش وينهل من العلوم أفضلها إبان ازدهار الأديرة في تلك المنطقة، ومع قدومه إلى حمص وكان ذائع الصيت، خشي من اعجاب الناس بقداسته وما كان يريد ضياع ما اكتسبه في حياة الفقر من تواضع، فتظاهر البله المطلق، وصار يفعل أموراً مضحكة حتى ظنه الناس مغفلاً تماماً وصار مثيراً للشفقة، فكان يقضي النهار ضحكا وركضاً، ويقضي الليل خشوعا وتعبداً، حتى أنه تنبأ بزلزال حمص عام 550م، وبطاعون لاحق فتك بالمدينة، بحسب ما تورده المصادر عن قصة الراهب سمعان


وعرف بالقديس سمعان المتباله، أو الجاهل، أو المجذوب في العامية. هذا القديس كان محبوباً لخفة روحه وقدم الكثير من المساعدات للمحتاجين، ويقال أن الله عرّفه على يوم مماته ولكن سره كمصطنع للبله لم يكن يعرفه أحد إلا شماس كنيسة حمص الذي كان يخدمه سراً، وكان الصبية والشبان يجتمعون حوله يضحكون لضحكه ويصفقون لحركاته ويجارونه ركضاً وعدواً ويحملونه على الرقص فيرقصون معه، وعندما كان يلمح مريضاً أو معتوهاً بينهم كان بين الضحك واللعب يلمسه فيشفيه.


وانتشر مبدأ أو طريقة التهابل أو التباله وكان للحمصيين الفخر أن يكون مؤسس هذه المدرسة قد اختار مدينتهم لتنطلق دعوته منها ولتحتفظ تربتها برفاته، وسجل للقديس سمعان أن لم يدعو لاتباع طريقته، حتى أن طريقته كادت تندثر لولا بعض تلك الكتب والمراجع التي وثقت هذه الحقبة.


أبرز قصص الجنون الحمصي :

وفق المرجعيات التاريخية، فلهذا الأمر العديد من الروايات، لعل أبرزها ما ساقه الكاتب " جورج كدر "، في مؤلفه " بحث في جذور النكتة الحمصية – حرب الايدولوجيا الفكاهية وليتورجيا المجانين المندثرة "، الصادر بنسخته الأولى عام 2009، مستهلاً حديثه عن واحدة من أشهر الأحداث التي شهدتها المدينة يوم قرر المغول غزو سوريا، فاستباحوا حلب وعديد المدن السورية، حتى وصلوا حمص، وصاروا على أبواب المدينة،وتأكدوا أنهم لن يتمكنوا من مجابهة جيوش المغول الجرارة, وكان يشاع وقتذاك في السير الشعبية الموروثة أن الهروب من المجنون أمر ضروري، لأن الجنون معد بحسب ثقافة تلك الحقبة، فما كان من أهل حمص إلا أن لبسوا ثيابهم بالمقلوب وحملوا أحذيتهم على رؤوسهم،وبدؤوا بالطرق على البراميل فاتحين أبواب المدينة على مصراعيها غير عابئين بجيش تيمور الذي مر بها مرورا سريعا هاربا من لعنة الجنون التي أصابت كل أهل المدينة بحسب اعتقاده, بعد أن كان الحماصنة أشاعوا أن نهر العاصي في المدينة سيصيب كل من يشرب منه بمس من جنون، ويضيف " كدر " في مؤلفه، أن هذا العيد كان عيداً حقيقياً، وكانت منطقتنا تحتفل به في الماضي كأحد طقوس أعياد الربيع المقدسة قبل مجيء الإسلام، واحتفظت الذاكرة الشعبية لمدينة حمص بهذا العيد حتى اليوم.


حمص في فتوحات الإسلام :

بحسب رواية المؤلف كدر في ليتورجيا المجانين المندثرة فإن حوالي 600عام هجري عندما أتى عامل معاوية عمرو بن العاص حاكم سورية وبلاد الشام في تلك الفترة إلى حمص، بقصد تسيير الجنود إلى صفين مستحثاً أهلها في الإسراع إلى ساحة المعركة، صادف ذلك أن كان يوم أربعاء، فقال أحد الحماصنة باسم الجميع بقصد تأجيل المسير يوماً أو يومين " بإذن الله ننطلق معكم على بركة الله بعد صلاة الجمعة فنحن نحب هذه الصلاة وليس لنا رغبة في أن تفوتنا "، فأجابهم عمرو فوراً: "نقيمها لكم اليوم الأربعاء بدلاً من الجمعة ، فأين الضرر في ذلك؟"، فوافق الحمصيون بل واستحسنوا الأمر وأقاموا صلاة الجمعة يوم الأربعاء.*


*أدب النكتة – جورج كدر ص15-16
*وقعة صفين – نصر بن مزاحم المنقري


جنون حمص في العصر الحديث :

ويتابع كدر في السير الشعبية " أنّه وعندما دخل إبراهيم باشا ابن محمد علي باشا والي مصر في عام 1840م إلى سورية، أقام في حمص فترة أثناء مطاردة العثمانيين، ونقل إليه أن بعض الحماصنة سطوا على مستودع الذخيرة وسرقوا بعض القنابل الكروية وانفجر بعضها بهم. غضب باشا، وأراد أن يحقق بنفسه مع الجرحى الحماصنة، فقال له أحدهم: "يا سيدي ظنناها كرات نلعب بها لم نحسبها خطيرة، وكان إلى جانبه المؤرخ الدمشقي إبراهيم مشارقة، فقال له: " ألم أقل لك إنهم بسطاء لطيفون، فرد إبراهيم باشا: " لا والله شياطين بالذكاء "."*


*جورج كدر – أدب النكتة ص84-85


عن حمص دون جنون :

تعرف حمص بأنها مدينة الفقير، رغم أنها خالية من التسول، ويطلق عليها أيضاً اسم مدينة الموظف، فتكاد تكون المدينة بأكملها تنام في العاشرة ليلاً، حيث تغلق الأسواق وتنعدم حركة التجارة، قياسا بمعظم المدن السورية.


المصادر والمراجع :
أدب النكتة – جورج كدر
موسوعة الأدب الضاحك - علي مروة – الجزء 6
تاريخ مدينة دمشق – ابن عساكر
د فيليب حتي – تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين
امبراطوريات سوريا – جان بابليون

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق:
* الاسم  
   البريد الالكتروني  
   العنوان  
* التعليق
* اكتب ناتج 1 + 2
 
الافتتاحية مع خضر عواركة المزيد ...   منبر آسيا المزيد ...   المراقب مع محمود عبد اللطيف المزيد ...   المجهر مع علي مخلوف المزيد ...   إقتصاد المزيد ...   رياضة المزيد ...  
شاهد المزيد
ألبوم الصور
خامنئي: العراق القوي مفيد جداً لإيران بالصور: هكذا أحيت بلدية القاع ذكرى "فجر الجرود" بالصور: البخاري يودع الحجاج في مطار بيروت روحاني: لا مفاوضات مع ترامب بعد تخليه عن الإتفاق النووي بالفيديو: كارثة بيئية تصيب بحيرة القرعون بالفيديو: ماقصة الاشكال في الشياح؟ اشتباكات بين عائلتي الجمل وجعفر في الهرمل الأسد: سأزور إيران قريباً مجدداً.. أهالي الموقوفين الاسلاميين يعتصمون في طرابلس بالصورة: اعتصام  لموظفي "سعودي أوجيه" في طرابلس