الخميس 19 تموز 2018م , الساعة 08:32 صباحاً بتوقيت بيروت

إتصل بنا أعلن معنا عن آسيا أخبار الرئيسية

آخر الأخبار :



كتب محمد الوزيري: لا تَخشوا على القدس.. إنّما الأيام تداول بين الناس

خاص وكالة أنباء آسيا

2017.12.09 09:24
Facebook Share
طباعة

 أوّلاً: ماذا نُريد؟!


يُحكى أنَّ رجلاً اشتكى إلى حكيم كُثرة نكد زوجته وطَلباتها للبيت، فقال له الحكيم: اشترِ حماراً وأدخله المنزل وارجع إليّ، ففعلَ فقالَ له لقد زاد نكدها، فقال له اشترِ كلباً ثمَّ ارجع إليّ، ففعلَ ثمَّ عادَ إليه وقال لقد تضاعفَ نكدها ضعفين، فقال له اشترِ بَقرة وارجع إليّ، ففعلَ ثمّ قالّ له لقد وقفنا على الطلاق وما عادت تتحمّل العيشَ مع هذه الحيوانات.. فقالَ له الحكيم خُذْ الحمار إلى السوق وبِعه، ففعلَ ثمَّ عادَ إليه يُخبره أنَّ زوجتهُ ما عادت تطلب منه الطلاق، فقال له بِعْ الكلب، فباعه ثمَّ عاد إليهِ يُخبرهُ أنَّ زوجته لم تَعد نكديّة إلّا قليلاً، فقال له بِعْ البقرة، فباعها ثمَّ عادَ إليهِ يُخبره أنّهُ يعيش مع زوجته في أحسنِ الأحوالِ والظروف، وأصبحت تدفع عنهُ وتُعينه وتُحبّه فعادت الأُمور إلى نِصابها ..!!


جميلٌ أنْ تَهبَّ الجماهيرُ مُنتفضةً للدفاع عن "القُدس" والمقدّسات، وأنْ تقولَ كلمتها في أيِّ قرارٍ يمسُّ بأحدِ ثوابتها الذي هو الأرض.. ولكن هل خلفيّات هذه الهبّة صحيحة فعلاً؟!
الأمريكيّون حقّاً أذكياء بإدارتِهم لوعي الناس وتقليبه حسب ما يخدمُ السياسة الأمريكيّة، فقد استطاعوا نقلَ جماهيرنا مِنَ مرحلةِ الدفاعِ النفسيّ إلى الدفاع الشكليّ.
ومِنَ الدفاع عن عموم الإنسانِ إلى الدفاعِ عن "المُقدّسات" والصخور الصنميّة ..


انظروا معي..


- في ثلاثينيّات القرن الماضي 1930-1938 كُنّا نُدافعُ عن مصالحنا التي تُهدِّدها كثافة الهجرة الصهيونيّة وسيطرتهم على حيويّة البلاد ..
- في بداياتِ الأربعينيّات 1939- 1945 كُنّا نحتجّ على العمليّات التخريبيّة التي كانت تقومُ بها الجماعات الإرهابيّة ضدَّ مزارعنا وشعبنا ..
1945-1947 كُنّا نشكو الهاغاناه وشتيرن والإرجون الإرهابيّة إلى المجتمعِ الدوليّ الذي أنشأها ولم يكترث إلينا أحد ..
1948-1960 كُنّا نشكو من دولةٍ مُتكاملة الأركان، ونرفضُ وجودها رفضاً قاطعاً ..
1961-1967- 1973 ما زلنا نرفضُ وجود دولةٍ غاصبةٍ غير شرعيّةٍ ونحاربها بما امتلكنا ..
1974-2000 دخلنا في مسلسلِ التسويات وأصبحنا نُطالبُ فقط بأراضي 67..
2000-2007 .. اقتنعنا بحكومةٍ على أنقاضِ ما تبقّى من شذراتِ القضيّة..!
2008-2020 نحتجُّ على المسجد الأقصى "المقدّس!!!".


الأمريكيّون حقيقةً لا يُريدون من وراءِ إعلانهم عن نقلِ العاصمة إلّا جسَّ نبضِ الأُمّة حِيالَ قضيّتها العامّة، فإذا بالأمّة تنهضُ لتعبّر عن امتعاضِها عن قرارٍ مسَّ برمزٍ دينيٍّ وكأنَّ باقي الأرض لا أهمّيةَ لها!.. فمِنْ خلالِ هذا الاستفتاءِ غير المباشر يستطيعُ الكيانُ المحتلُّ وإمبرياليو العالم أنْ ينقلونا من التفاوضِ على حقِّ الوجودِ الشاملِ إلى التفاوضِ على (الصخورِ والأحجارِ والرموز(..


ماذا لو اِنهارَ الأقصى ومُسِحَ مِنَ الوجود؟!.


هل تعتقدونَ أنَّ اللهَ يوم القيامةِ سيسألنا "لماذا تركتم المسجدَ ينهار؟"..


إنَّ انجرافَ الأساساتِ أو الأحجار أو جدران أيّ شيءٍ مَهما بلغت قدسيّته لا يمكن أن يُمثّل ذرّةً واحدةً من قيمةِ سقوطِ إنسانٍ مؤمنٍ مظلومٍ واحدٍ على هذا الوجود، وهذا ليسَ كلامي، بل كلامُ نبيّ المسلمينَ سيّدنا محمّد عليه الصلاة والسلام في حديثهِ عن الكعبة، وهي أقدسُ مكانٍ من الأقصى.! فاللهُ سيسألكَ عن موقفكَ من الإنسان، من الأرواح، من الدماءِ المهدورة، ومن المظلومين، وليس عن موقفك من سقوطِ أحجارٍ يمكنُ بناؤها كما فعلَ الأسلاف، فما نفعُ المسجدِ إنْ كانت الأرض التي عليها هذا المسجد مدنّسةً بالمخلوقاتِ الصهيونيّة؟!!


ففي هذا الشقّ حاولنا أوّلاً أنْ نصوِّب اتّجاه النضال، فنحنُ لا يجب أنْ نتّبعَ خُطاهم التي يسوقونَنا إليها من الدفاعِ عن الوجودِ إلى الدفاعِ عن مسجد !..


ثانياً :


القدسُ بخيرٍ، وفلسطينُ بخير... لماذا؟!


إذا نظرنا إلى الأمرِ عقائديّاً، فالله تعالى حافظٌ مقدّساته سواء بِنا أو بغيرنا، شِئنا أمْ أبينا، اجتهدنا أمْ تكاسلنا..


ولكن الأساس هنا ليسَ هو الدفاعُ عن الأرضِ المقدّسة، بل هو صراعُ الإنسانِ ضدَّ الإنسانِ الآخر، هذا الصِّراعُ القديمُ الذي بدأ مع هابيل وقابيل، والذي لا يمكن حلّهُ إلّا بالقضاءِ على أحد الطرفين، إنْ لم يكن عاجلاً، فالنيّةُ مبيّتةٌ ليكون آجلا ...


تقولُ العرب: مَن يَنظر إلى مصائبِ الناس تَهُن عليه مَصائبه.. أمّا نحنُ فيجب أنْ نفتحَ صفحات التاريخ، فأجزمُ لو فعلنا لعَرِفنَا أنَّ ما نخوضهُ اليوم من صِراع، ما هو إلّا حلقةٌ من سلسلةٍ طويلةٍ جدّاً، وقد مرَّ ما هو أعسر منها في تاريخنا منذُ بزوغِ فجرِ الإسلامِ وما قبله وإلى اليوم..


هل هي المرّة الأُولى التي تُحتَلُّ فيها القدسُ وفلسطين؟!.. هل هي المرّة الأُولى التي يُقتَلُ فيها الإنسانُ العربيّ والمسلم؟! هل الرمزُ المقدّس أفضل مِن هذا الإنسان؟!..


في الحقيقة نحنُ مُلزَمونَ بالدفاعِ عن أنفسِنا وعن وجودِنا، وإذ كانت الأرضُ والتاريخ والهوية جزءاً لا يتجزأ من وجودِ الإنسان، فإنّهُ لا بدَّ من العودةِ إلى فكِّ شِيفرات هذا التاريخِ وكيف انفلتنا قديماً من عُنُقِ الزجاجة وقُمنا من رُكامِنا وانبعثنا من رَمادِنا في بغدادَ وعكّا والقدس وقرطبةَ ومراكشَ ...!


خلالَ تاريخها الطويل، تعرّضت القدسُ للتدميرِ مرّتين، وحُوصِرَت 23 مرّةً، وهُوجِمَت 52 مرّةً، وتمّ غَزوَها وفقدانها مجدَّداً 44 مرّةً.. رَكِزُوا لي على آخر مُعطى!. وهذا الأمرُ قد تمَّ في تاريخ القُدسِ المُجمل، ولا أُريدُ هنا الخوضَ في تاريخ ما قبل خمسة آلاف سنة، وإنّما لأنَّ الصِّراعَ اليوم باتَ مع جهةِ المسلمينَ بخاصّةٍ والعرب عموماً، فسأكتفي بما بعدَ الإسلامِ فقط ..


لقد كانَ المسجدُ الأقصى قُبلةً للمسلمينَ قبلَ أنْ يُعيروا باتّجاههم ناحية قُبلة اليهود، فيتحوّلُ الاتّجاهُ بعدَ ذلك إلى الكعبة، ولكنَّ قُدسيّةَ المكان بَقِيَت عند المسلمين لم تتغيّر، والشرط هو أنَّ المسلمينَ (لم يتغيّروا في قِيمِهم ولم يُغيّروا وُجهتهم) فتمَّ الفتحُ على يدِ أبي عُبيدة في عهدِ عُمر بن الخطاب. ولا نحتاجُ إلى أنْ نَذكُرَ هذهِ الحُقبة وما فيها من عزّةٍ ومنعة ...


ولكن هل تعلمونَ أنَّ الخليفةَ عُمر لم يَجد المسجدَ الأقصى لأنّهُ كانَ مطمورا تحتَ الترابِ والرُّكام؟!، فإنْ دلَّ هذا على شيء إنّما يدلُّ على أنَّ الإنسانَ هو الذي يُحيي المُقدّسَ ويبعثُ فيه الروحَ، وليس العكس كما يَجرّنا إلى ذلك الأمريكيون ويُغذّيه الفَهمُ الخاطئ حتى نَقتنع في الأخيرِ بمقولةِ "خُذوا ما شِئتم ودعوا المُقدّس"!! ..


وهكذا أعادَ الخليفةُ بناءَ المسجد، ثمَّ أعاد ترميمه الأمويّون فيما بعد.. ليصدق عندنا أنَّ المقدسَ قويٌّ بقوّةِ الإنسان وضعيفٌ بضعفهِ.. وما سيزيد من تأكيد ذلك هو سقوطُ القدسِ ثانيةً بعد نحو أربعمئة سنة ويزيد بيدِ الصليبيّينَ، وكان ذلك كلّه كما أسلفنا بسببِ ضَعفِ الدولة العبّاسيّة حكماً ورعيّةً وتخلّفها، وتعاطيها للمعازِف والمُسكرات والمُلهيات وكثرة القوّادة والخسة والنميمة والوشاية والخيانة والغدر ...


ولمّا دحرَ المسلمون هذه القيم الفاسدة بعد مرورِ أكثر من 160 سنة، تمّ لهم إعادة القدسِ على يدِ صلاح الدين ، وحينما عادت تلك القيم تُسيطرُ على نفوسِ الضعفاءِ بمن فيهم أولاد صلاح الدين في تنازعِهم على الحُكم، سقطت القدسُ ثانيةً وبَقِيَت 11 عاماً بيد الصليّبيين، ولَمّا استعاد المسلمون مِنعتَهم الأخلاقيّة والإستراتيجية عادت لهم القدس على يدِ السلطانِ نجم الدين أيوب ...


ففَسدَ المسلمونَ وتقَوّى أعداؤهم فسقطت القدسُ ودُمِّرَت على يدِ التتار الخوارزمّيين وبَقِيَت مُحتلّةً نحو 20 سنةً ويزيد.. ثمَّ صَلُحَ المسلمون وهيأوا الأسباب فعادت لهم بعدَ ذلك على يدِ سيف الدين قطز وركن الدين بيبرس ...


وحينَ لم يُصِبها الغريب أصابها الطاعون والزلازل والأوبئة، فهَانت مكانتها على الناسِ، ثمّ تصارعَ حواليها المماليك من جهةٍ والعثمانيون من جهة، فتقوّى العثمانيون فدخلوها بعد معركةِ مرج دابق فبَقِيت معهم إلى أنْ احتُلَّت مع سقوطِ هذه الإمبراطوريّة ...


الشاهدُ عندنا أيّها الإخوة، هو هل رأيتم كيفَ أنّهُ لا خوفَ على القدسِ ولا على فلسطين؟ بل الخوفُ علينا نحنُ من مواقفنا تجاههما!!. وقلتُ إنّها أيّام دُول، أي حُقبة لنا وحقبة لغيرِنا، وتكون لنا حين نكون أسياداً لأنفسنا، وتكونُ لغيرِنا حين يكون غيرنا سيّداً علينا .!!


هل رأيتم كيفَ أنَّ التاريخَ هو دولٌ بين انحطاطٍ وازدهار؟! نحنُ نعيشُ أواخرَ فترةِ الانحطاط التي تليها فترةُ البناء والتحرير، فالتحريرُ قادمٌ لا محالة... أمّا كيف، فذلك نُفرِد له حلقاتٍ لاحقة بإذنِ الله ... تحياتي ..

الجديدة - المغرب 8/12/2017

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق:
* الاسم  
   البريد الالكتروني  
   العنوان  
* التعليق
* اكتب ناتج 9 + 8
 
منبر آسيا المزيد ...   ثقافة وفن المزيد ...   إقتصاد المزيد ...   رياضة المزيد ...   صحة وجمال المزيد ...  
شاهد المزيد
ألبوم الصور
اشتباكات بين عائلتي الجمل وجعفر في الهرمل الأسد: سأزور إيران قريباً مجدداً.. أهالي الموقوفين الاسلاميين يعتصمون في طرابلس بالصورة: اعتصام  لموظفي "سعودي أوجيه" في طرابلس بالصور: سقوط طائرة إسرائيلية في جنوب لبنان بالصور: اغتيال نائب مسؤول الأمن الفلسطيني داخل مخيم المية ومية للمرة الأولى.. قاتل الإلكترونيات في سوريا!! صورة: انتهاكات السعودية في اليمن 11 آذار 2018 وفاة عائلة مؤلفة من 5 أشخاص إثر احتراق منزلها في النبطية بالصور: إخماد حرائق في مناطق لبنانية