الخميس 14 كانون الأول 2017م , الساعة 05:07 مساءاً بتوقيت بيروت

إتصل بنا أعلن معنا عن آسيا أخبار الرئيسية

آخر الأخبار :



بالصور: عندما يغدو البيتُ الدمشقيّ متحفاً للتراث

هديل خليل _ خاص آسيا

2017.10.30 12:43
Facebook Share
طباعة

على توقيتِ الزمنِ الجميلِ ما يزالُ العمّ الدمشقيّ أبو محمّد "هيثم طباخة" يعيشُ تفاصيلَ الماضي العريقِ بتراثِهِ وأدواتِهِ التي طالَما راودتهُ حتّى في أحلامِهِ، فجمعُ الأدوات الأثريّة واقتنَاؤها هواية تَغلغَلت في روحِهِ حتّى احتضنها داخلَ بيتِه، واعتنى بكلِّ قطعةٍ على حِدة مُنصِتَاً لكلِّ صوتٍ يُنادي بها، مُركّزاً اهتمامِهِ على شرائِها مِن كلِّ حدبٍ وصَوب.


ما إنْ تدخُل بيت الستّينيّ أبو محمّد حتّى تشعر وكأنّ السنين عادت بكَ إلى أكثر مِن مئةِ عامٍ خلت، وفي مدخلِ البيتِ لوحةٌ لشجرةِ العائلةِ التي ينحدرُ منها، والتي تنمّ عن شَغفِهِ بتوثيقِ كلّ شيءٍ يقعُ تحتَ نظره، فباستطاعتك رؤية سوريّة المُصغّرة في منزلٍ لا تتجاوزُ مساحته 100 متر مربّع، وإنْ كانَ عمره يعودُ لأكثرَ مِن ثلاثمئة عام.


"مُتحف الأنتيكا" الاسم الذي أطلقهُ أبو محمّد على بيتِهِ، إذ إنّ رغبتهُ بالبقاءِ إلى جانبِ تُحفِه دفعتهُ إلى توزيعها في المنزلِ والاستقرارِ فيه مع زوجته لتغدو هذه المُقتنيات وكأنّها أحد أفرادِ عائلته التي لا يرغب بمفارقتِها إطلاقاً.
وفي لقاءٍ خاصٍّ لوكالةِ أنباءِ آسيا مع هيثم طباخة يقول: "منذُ كانَ عمري عشر سنواتٍ وأنا أعشقُ الأدوات القديمة وأرغبُ بالحصولِ عليها، وبحُكمِ تَرعرُعي بسوقِ الحميديّة تكوّنت صداقةٌ بيني وبين تُجّار الأنتيكا في أسواقٍ عدّة بدمشق، فصرتُ أجمعُ ما وقعَ تحتَ يدي حتّى كَبُرَ الحلمِ وكَبُرَت هذه العادةُ معي لدرجة أصبحَ فيها أصدقائي وأقاربي يُقدّمونَ لي هديّةً مِن الأنتيكا في المناسباتِ على اعتبارِ أنّني أُحبّها إلى درجةِ الهوس، وهكذا إلى أنْ قرّرت جمعَ كُلّ هذه المُقتنيات ووضعها في مكانٍ واحد".


وبالفعل بأوّل حيّ القنوات وضعَ العمّ هيثم جميعَ أغراضِه في منزلٍ قديمٍ غصَّ بمحتوياتِه، فما كان منه إلّا أنْ اشترى واحداً أكبر بمبلغِ 60 مليون ليرةٍ سوريّة، إذ دفع "دمّ قلبه" للحِفاظِ على هذا التّراث على حدِّ تعبيره.


وعنَد سؤالِهِ عن أبرزِ الأشياء التي جمعها على مدارِ الخمسين عاماً يُجيب: "أملكُ كَنزاً لا يُقدّرُ بثمنٍ وزّعت ما استطعت منهُ في المنزل، فلديّ كيس سيرومٍ فرنسيٍّ يزيدُ عمرهُ عن 150 عام ولديّ جميع أدوات الحلاقةِ التي كانت تُستخَدمُ في عشرينياتِ القرن الماضي، وكذلكَ أدوات الطّبخِ وطُرُق الإضاءة التقليديّة، فضلاً عن صندوق الفُرجة الذي حلّ مكان تلفزيون وسينما الوقت الحاليّ، وفي حوزتي سيوفٌ يَرجع عمرها إلى 250 عام، شغفي بالتوثيقِ دفعني للبحثِ عَن كلّ ما يخصّ أسلوب الحياة السوريّة فمثلاً لديّ صورةٌ لأوّلِ دُفعةِ صيادلةٍ وأطبّاء تخرّجت في دمشقَ، فَضلاً عن الزيّ التقليديّ لكافّة المُحافظاتِ السوريّة إلى جانبِ لوحاتٍ تُراثيّةٍ لدمشق...إلخ، إضافةً إلى الأشياءِ المُخبّأة التي لم يتّسع لها البيت".


ولعلّ أبرز ما يتميّزُ بهِ العمّ أبو محمّد هو لِباسهُ الدمشقيّ التقليديّ وطربوشهِ الذي يجدهُ تقليداً لا بدّ منه، هذا ويُحافظُ على التقاليدِ الشاميّة الأصيلة، إِذ يفتحُ مضافتهُ كلّ يومِ سبت، ويجتمعُ مع أصدقائِهِ وخلّانِهِ ويُنشدونَ الأغاني الدينيّة والتّراثيّة ويعملونَ المُوالد وغيرها من العاداتِ التي تعشّقَت بحياةِ الدمشقيّين، ويُشيرُ ضاحكاً: "لا نقترب من السياسةِ ولا علاقة لَنا بها "


ويُؤكّدُ في حالِ عُرِضَ عليه بيع هذه المُقتنيات: "الإنسانُ لا يمكنهُ العيش بدونِ تنفّس، وهذهِ الأغراضُ هي النَّفَسُ الذي أستنشقَهُ ويُبقِيني على قيدِ الحياةِ ولو أعطوني مالَ قارون لا أبيعهُ ولا أتركهُ للعيشِ في أرقى الأحياءِ الدمشقيّة".
لا يقفُ اهتمامُ طباخة بالتوثيقِ عندَ هذا الحدّ، إنّما يقومُ بمعرفتِهِ المُتواضِعة بالكتابةِ والقراءةِ بتوثيقِ ما يخطر على بالِهِ في دفاتِرٍ خاصّة، وكلّ زائرٍ لِمتحَفِهِ يُزيدُ معلوماتٍ ويُصحّح الخاطِئ مِنها على اعتبارِ أنّ متحفهُ أضحى مَقصدَاً لكِبارِ الشّخصيّات، وأبرزُ ما كُتِبَ في هذا الدفترِ كدليلٍ على تمسّكِ طباخة بأرضِهِ وسوريّته كتابةُ أحدِ الشّعراءِ له:
"بالشام أهل الشام بيضلّوا
متل الحَجر كلّ واحد محلّو
بتفوت على مِتحف صغيّر كتير
كأنّك فايت على الوَطن كلّو"


وختمَ العمّ أبو محمد حديثهُ وفي قلبِهِ حسرةٌ مُتمنّياً من النّاسِ الاهتمام بالتّراثِ والمُحافظةِ عليه وكلّ ما يأملهُ هو الحصولُ على شهادةِ تكريمٍ مِن قِبَلِ المعنيّنَ تقديراً لجُهدِهِ في جمعِ هذهِ الأشياء النّادرة.