قصة الرئيس نبيه بري مع الرئيس بشار الاسد

خضر عواركة

2020.05.02 - 10:02
Facebook Share
طباعة

 لا يمكن أن ينصف المرء نفسه ولا القراء، اذا ما كتب عن العلاقة السورية مع الرئيس نبيه بري دون العودة الى نيسان من العام 1980.

في ذلك الشهر فرغ منصب " رئيس مجلس قيادة حركة المحرومين" بفرار حسين الحسيني من المنصب هربا من تبعاته الأمنية. فاجتمع الحركيون في مجلس قيادتهم في برج البراجنة لانتخاب حسين الموسوي – ابو هشام زعيما لهم. وخرج الجميع من الاجتماع وقد انتخبوا رجلا يشبه في علاقته بالحركة في ذلك الوقت، العميد امين حطيط وعلاقته بحزب الله. فتصوروا كيف ينظر ال"حزب اللهيون" للعميد حطيط لو صار امينهم العام.
 
وسرت اشاعة لها ما يثبتها من الشواهد، تقول ان السوريين تدخلوا بقوة مع قيادات حركة امل و نصحوهم (بالاكراه والضغط المعنوي) بانتخاب الرئيس نبيه بري لانه الانسب لتلك المرحلة.
 
وسواء كانت هذه الاشاعة حقيقية او مجرد إشاعة فان السوريين بمن فيهم الرئيس بشار الاسد يؤمنون بأنها حقيقة مطلقة.
 
نبيه بري بين رئيسين
 
 
ليس سراً أن العلاقة ما بين الرئيسين نبيه بري و بشار الاسد ليست على ما يرام على الصعيد الشخصي، الامر ليس جديداً بل بدأ منذ تولى الرئيس السوري الحالي مهاما تشمل الاشراف على الملف اللبناني في حياة أبيه، خلفا للثنائي التخريبي " الشهابي وخدام".
كان الرئيس نبيه بري من اللاعبين الاساسيين الذين لم يستسغ الرئيس بشار الاسد أدوارهم في لبنان، ودعم الرئيس أميل لحود بمواجهتهم.
يقول مطلع ممن لعبوا ادوارا تاريخية في الملف اللبناني من خلف الظلال في دمشق" أن الاسد ربط في عقله بين الثلاثية الحاكمة في لبنان وبين الثنائي المرفوض من قبله في دمشق. أي خدام ولشهابي.
ويضيف" ان الاسد الابن حين وصل الى الرئاسة كان يعرف ان الرئيس نبيه بري مدلل شخصا ودورا عند الرئيس حافظ الاسد، وان الاخير كان يحمل ودا خاصا للرئيس بري في قلبه وهو من قلة اذا ما التقاهم الراحل فانه كان يستمتع بلقائهم ويمدد الوقت المخصص لهم مرة تلوة المرة. بل يقال ان بري هو الوحيد القادر على ان ينتزع قهقهة بخفة ظله من الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد.
لكن الرئيس بشار الأسد يفضل ان يبني علاقاته بعيدا عن التوريث، وقلة فقط ممن كانوا مع ابيه ابقاهم مقربين منه بل من اسباب ابتعاده عن كثيرين انهم كانوا من المقربين.
 
مرت سورية بظروف كانت فيها تنتظر من الرئيس نبيه بري اداء يمثل رداً لدينها عليه. ومنها طريقة معالجته لملف العلاقة مع سورية بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
في دمشق من كان يتوقع ان يلف الرئيس نبيه بري رأسه ويعصبه بالعلم السوري وهو من يلقي الخطاب الوداعي وخطاب الوفاء لسورية في الثامن من آذار لا السيد نصرالله.
 
ثم وقعت الواقعة الكبرى خلال الحرب السورية، التي احتاجت فيها سورية لمواقف واضحة معها ولو على الصعيد المعنوي. وفي دمشق من توقع من الرئيس نبيه بري مواقفا واداء مختلفا.
في المقابل قيل أمام الاسد وخصوصا من طرف قيادة حزب الله " ان نبيه بري ليس عاصم قانصوه وطريقة اداءه اكثر تعقيدا من ان توصف بأي شيء مبسط لكن الاكيد ان حصيلتها وخلاصتها تصب في مصلحة التحالف مع سورية.
قيل للأسد ايضا دفاعا عن بري" انه في العام 1982 انقسمت حركة امل الى تنظيمين، بسبب مشاركة الرئيس نبيه بري في لجنة الانقاذ التي دعى اليها الرئيس الياس سركيس ثلاثة هم بشير الجميل ووليد جنبلاط ونبيه بري. وانتهى الامر بأن بري وافق على الدخول في لجنة يقرأها اي مهتم بأنها لجنة القبول بنتائج الغزو الاسرائيلي. لكن المستقبل اظهر خلاف ذلك.
 
ويقال والعهدة على الراوي أنه " ابان رئاسة نجيب ميقاتي للحكومة نقل صديق مشترك للطرفين رفض سورية وقوف وزراء امل في الحكومة مع قرار النأي بالنفس لانه قرار يعكس انحيازا ضد سورية. فسورية جارة لبنان لا السعودية ولا قطر.
ودافع البعض امام الاسد قائلين" ان اداء الرئيس نبيه بري يحفظ لبنان مستقرا ليبقى متنفسا لسورية وشعبها على كل الصعد"
 
وبناء على كلام مصدر موثوق، تحدث كاتب النص معه مباشرة، وهو شخصية معروفة بانها صديق مشترك للواء محمد ناصيف رحمه الله وللرئيس نبيه بري. وفي الرواية أن الاخير تأخر في تحديد موعد للصديق المشترك الذي كان قد طلبه عبر محمود بري.
والتأخير ادى الى فهم خاطيء. المشكلة ان الصديق المشترك كان ينقل دعوة من الاسد لبري للقائه في دمشق.
لكن هذا القطوع مرّ وعبر ولم يخلف الكثير من الجفاء.
 
 
هل لا تزال القطيعة قائمة؟؟
 
القطيعة السياسية لم تحصل قط، فالوزير علي حسن خليل وغيره من معاوني الرئيس نبيه بري لم ينقطعوا عن زيارات التنسيق السياسي الى دمشق، ومكاتب الحركة في دمشق قائمة وطلابها يحصلون على منحهم من سورية، ووزراء حركة أمل شاركوا في فعاليات اقتصادية في دمشق ولم يراعوا قرار النأي بالنفس.
ولا يزال منزل الرئيس نبيه بري قائما في دمشق وهو هدية الرئيس حافظ الاسد ولم يغلق ولم يمس.
يشاع في دمشق كما في بيروت، أن العلاقة السورية مع الرئيس نبيه بري مرت بأسواء مراحلها بين عامي 2011 و 2012 حيث قيل ان الاجهزة التركية سربت تسجيلا لمقرب من بري يهاجم الاسد في لقاء مع مسؤلين أتراكا.
لكن في تلك المرحلة بالذات شهدت شخصيا على واقعة ذات دلالات تعكس احترام الرئيس السوري شخصيا، وتقديره وحرصه على اظهار الود للرئيس نبيه بري بغض النظر عن عدم وجود استلطاف شخصي متبادل بينهما.
ففي نهاية العام 2011 ذهبت السيدة رندة بري الى دمشق لايفاء نذر للسيدة زينب. وكانت برفقتها شقيقتها رولى وابنتها الشابة الموظفة في شركة من شركات السيد أيمن جمعة، كما رافقتها ايضا ابنة الرئيس ميساء وزوجها واحدى مساعدات السيدة بري التي هي ايضا صديقة مقربة جدا منها ولا تسافر دونها.
كانت الامور مضطربة في البلدات الموصلة الى المقام في ريف دمشق، وكان هناك خطر.
ولم تكن الزيارة رسمية اي لا ترتيبات مسبقة بل زيارة شخصية عادية لم يعرف بها السوريون الا عند وصول السيدة بري الى الحدود.
في النهار التالي لوصول السيد بري، كلف احد المقربين من الرئيس الاسد شخصا لبنانيا كان مقيما في دمشق، لزيارتها والترحيب بها باسم الشخصية السورية، وباسم الرئيس ايضا.
وعرض المندوب على السيدة بري تأمين مرافقة دائمة لها فرفضت مكتفية باثنين من المرافقين والسائقين الذي دخلوا سورية معها وهم من حرس مجلس النواب.
طلب المندوب من السيدة التمهل في الزيارة الى مقام السيدة زينب لحين تأمين الطريق لان الاوضاع الامنية ليست سليمة في البلدات المحيطة بالمقام، والافضل اجراء ترتيب امني لان عمليات الخطف والاعتداءات المسلحة كانت خطرا اكيداً.
 
وعند مراجعة ابرز المقربين الامنيين من الاسد طلب الاخير ان يجري ترتيب الزيارة في اليوم التالي في توقيت يكون فيه المقام مقفلا فيفتح فقط للسيد بري وصحبها.
وخلال الزيارة نشرت القوى الامنية سلسلة من المدرعات والاليات على طول الطريق من والى المقام لحماية السيدة بري ولتأمين سلامتها ذهابا وايابا.
 
هذه واقعة ود واحترام لا علاقة لها بالكيمياء الشخصية بل بالتقدير السياسي.
امر آخر حصل وكنت شاهدا عليه، فقد عرض المسؤولين عن قناة "ان بي ان" وضع القناة بخدمة سورية، ضمن اطار الرد على الحرب الاعلامية ضدها. وهو ما كان وكلفت شخصيا بانتاج برامج عديدة تعرضها القناة بالتعاون مع الجهات المسؤولة في سورية.
واطلقنا برنامج " من دمشق" كما جرى بث مواد حصرية للقناة في نشراتها. وشاركت القناة ايضا في الدفاع عن سورية عبر برنامج ديني قدمه الشيخ محمد حبش الذي كان مقبولا من الشارعين الموالي والمعارض في ذلك الحين نسبيا.
 
خلاصة القول، بغض النظر عن واقعة ان العلاقة السورية مع رئيس مجلس النواب اللبناني ليست كما كانت في عهد الرئيس حافظ الاسد لاختلاف موقع "بري" ودوره. ولاختلاف الظرف المحلي والاقليمي والدولي المحيط بلبنان، فان موقف الرئيس نبيه بري من سورية ليس بعيدا عن موقف حزب الله، وهو على تنسيق مستمر بينهما ولكن لكل منهما خصوصية يتصرف بناء عليها.
 
 
والتوصيف الادق لطريقة عمل الرئيس نبيه بري هي انه سياسي محترف. يتصرف كسياسي محترف ولا يحد نفسه بما ينتظره منه الاخرين بل يتصرف كما يتصرف السياسي المحترف.
ومهما كانت المآخذ الداخلية على الرئيس نبيه بري كبيرة كجزء من الطبقة الحاكمة التي اوصلت لبنان الى ما وصل اليه من افلاس، الا انه في الملف السوري حصيلة أداء السياسي المحترف نبيه بري لم تكن الا لمصلحة سورية والمقاومة.
 
وسواء كنا معه كما هم انصاره، او كنا ضد سياساته الداخلية كما هو موقف كاتب هذا النص الا انه من العدل القول ان الرئيس نبيه بري لم يبدل موقفه ولم ينقلب على سورية.
 
هو فقط نبيه بري، الذي شارك في لجنة سركيس للانقاذ عام 1982 فادانه من لم يفهمه كسياسي محترف، ثم هو نفسه الذي قاد مع اخرين جبهة الخلاص المدعومة من دمشق والساعية الى اسقاط مفاعيل الغزو الاسرائيلي السياسي والى اسقاط مفاعيل ووجود قوات حلف الاطلسي في بيروت.
إنه رئيس الحركة التي انقسمت على نفسها تحت عنوان من يريد المقاومة ومن يريد السياسة، ولكنه نفس الرجل الذي وجه الضربة القاضية لاتفاق 17 ايار من خلال انتفاضة السادس من شباط 1984 والتي مثلت ذروة المقاومة ضد الاحتلال الاسرائيلي.
 
 
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 3