الاثنين 29 أيار 2017م , الساعة 08:07 مساءاً بتوقيت بيروت

إتصل بنا أعلن معنا عن آسيا أخبار الرئيسية

آخر الأخبار :



كتب علي حسّون : ما الذي يوحّد السوريين اليوم؟

2017.05.13 02:34
Facebook Share
طباعة

  يوماً ما، سيستيقظ السوريون على خبر لطالما انتظروه، في وقتٍ قريب أو بعيد، ستحطّ هذه الحرب أوزارها، سيلقي المتحاربون بنادقهم، وسيحصي السوريون خسائرهم وعدد ضحاياهم . ستكون الأمهات متّشحات بالسواد، يتذكرن أبناءهن والحسرة والألم يعتصران قلوبهن .

سيحصي السوريون كم من البيوت والمدارس والمعامل دُمِّر، كم من المدن تهدّمت وكم من الحقول تيبّست وأُبيد شجرها، سيكون بإمكان السوريين – كل السوريين - أن يحسبوا كم من أطفالهم باتوا بلا مأوى ولا مستقبل، وكم من رجالهم ونسائهم فقدوا أعمالهم ووظائفهم وقوت حياتهم .

نعم،كلُّ ذلك سيكون تحصيل حاصل ، لكن ما هو عصيّ على الإحصاءات في جرد خسائرنا بعد أفول هذه الحرب اللعينة هو كمّ الجدران العالية من الحقد والبغضاء بين سوريين وسوريين، ذلك الكم الهائل من الحواجز والخنادق بين مدينة ومدينة، قرية وقرية، حي وحي، شارع وشارع، صديق وصديقه، أخ وأخوه.

إنها "جردة"مرعبة لن نعرف حجمها الحقيقي إلا حينها.

من هنا قد يكون التساؤل مشروعاً وضرورياً : مالذي قد يوحد السوريين؛ كل السوريين بعد نهاية هذه الحرب ؟

سؤال كبير وهائل بهول المأساة السورية، ولشدة ما يبدو بسيطاً وبديهياً الجواب عليه في كثير من دول العالم ، فإنه يقارب المستحيل في بلدٍ انقسم أبناؤه حتى الأخوة فيما بينهم !

قبل الحرب بزمنٍ غير بعيد، وتحديداً في العام 2005 وبُعيد اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية رفيق الحريري، وما تبع الجريمة من استهداف لسورية وتحميلها وزر الجريمة، توحّد السوريون بمختلف أطيافهم خلف جيش البلاد الذي كان انسحابه من لبنان ثمناً أرادت القوى الكبرى استحصاله من سورية المتهمة بالجريمة آنذاك.

انسحاب الجيش السوري من لبنان بتلك الطريقة، مثّل حينها إهانةً للسوريين باعتباره أحد أعمدة السيادة والكرامة الوطنية التي طالما ميّزت السوريين عن غيرهم من الشعوب العربية .

أذكر حينها وقد كنت ضمن وفدٍ صحفي مرافق لوحداتٍ من الجيش بعد حفل وداع لها في عنجر اللبنانية، كيف كان الناس على طريق العودة يلاقون الجيش بالورود ورشّ الرز على جنوده في مشهدٍ يشرح تلك الحالة من التضامن والإجماع والإلتفاف حول الجيش الوطني .

بعد هذه المناسبة ، اختبر السوريون شعوراً مماثلاً، حين التفّوا هذه المرة بشكلٍ لم يكن له مثيلاً حول حزب الله خلال فترة العدوان الإسرائيلي على لبنان في تموز 2006 .

تجلّت هذه الوحدة في احتضان عشرات الآلاف من اللبنانيين النازحين من الجنوب بشكل خاص.

فتح السوريون في كل مكان بيوتهم لجمهور المقاومة كضيوف أعزاء مكرّمين، دون أن يلهيهم ذلك للحظة عن متابعة يوميات المعركة وتفاصيلها، أو عن خطابات السيد حسن نصرالله، وانتظار مفاجآته التي كانت تثلج قلوب السوريين من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، ومن الحدود الشرقية مع العراق إلى شاطىء المتوسط غرباً .

أذكر حينها أيضاً أنني كنت في إجازة على الشاطئ عندما كنا مئات السوريين من مختلف المحافظات نتابع كل كلمة من كلمات خطاب السيد نصرالله، والتي أعلن خلالها عن استهداف الفرقاطة الإسرائيلية (ساعر) في عرض البحر .

وقتها علَت الأصوات المهلّلة للحدث، وفاضت العيون بالدموع فخراً وعزةً ، وتبادل أبناء حلب ودمشق واللاذقية وحمص والرقّة الأنخاب والتهاني، توحدت في عيونهم لمعة الفرح والنصر القادم من الجنوب الشقيق .

لم يختلف الأمر كثيراً حين شنّت "اسرائيل" عدوانها على غزّة عام 2008 ، كانت وحدة السوريين واضحة وجلّية كما قبل عامين .. تفاخر السوريون جميعاً بما يقدمه بلدهم من عون (على شكل صواريخ) للأشقاء في المقاومة اللبنانية والفلسطينية، واعتبروا أن سورية شريكة في نصر حزب الله وصمود "حماس" .

كل ذلك كان على المحكّ في عام 2011 ، لم يعد من مكانٍ للبديهيات والمسلّمات ، لم يعد هناك من رمزٍ يحظى بإجماع السوريين، حصل ما يشبه الزلزال في قناعات البشر، تخندق السوريون، انقسموا بين بعضهم البعض وعلى أنفسهم أحياناً.

انقسموا حول الرئيس والعلم، كما حول الجيش ووحدة الأرض والتراب ، لا رموز توحّدهم منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم .

واليوم وبعد سنوات الكارثة المستمرة، ازداد الإنقسام انقساماً واستحال الشرخ الكبير إلى هوّةٍ عميقة، تبتلع كل من يفكّر بالاقتراب منها وملامسة حوافها، البديهيات التي توحّد عادةً شعوب العالم لم تعد عامل وحدة بين السوريين، على الأقل منذ ست سنوات ونيّف!

الشعوب يوحّدها علم البلاد ونحن لدينا الآن علمين على الأقل إن وضعنا جانباً رايات "النصرة" و"داعش" وكل تلك الرايات السوداء والصفراء والبيضاء والخضراء و...


تتوحّد الشعوب حول جيشها الوطني، لكن أبناء هذا الوطن المُثقل بالنكبات لم يعد هذا الجيش يوحّدهم، فبعضهم يرى فيه "جيشاً للنظام" أو "الجيش الذي يقتل أبناءه"، فينكرون تضحياته الجسام ويلصقون به أشنع الصفات وأكثرها قسوةً وبغضاً، فيما يرفعه البعض الآخر إلى مرتبة الجبابرة والقديسين، باعتباره حامي البلاد والمدافع عن الشعب في وجه أعتى هجمة إرهابية في تاريخ البلاد .


ليس هذا فحسب ، بل إنّ هذه البلاد ابتُليت منذ ست سنوات بعددٍ لا يحصى من "الجيوش"، فأصبح هناك ما يزيد عن مئة فصيلٍ مسلح بتسميات لا حصر لها، ولكلٍّ منها مقاتليه وأنصاره بهذه النسبة أو تلك .


تتوحّد الشعوب أيضاً في أمورٍ أبسط من هذه بكثير : في الرياضة مثلاً، وتحديداً بكرة القدم، باعتبارها اللعبة الأكثر شعبيةً في العالم، وضمناً سورية، لكن تجربة المنتخب الوطني السوري قبل نحو شهر في ماليزيا خلال خوضه مباريات التصفيات الآسيوية المؤهلة لكأس العالم، لم تكن أفضل حالا : انقسم السوريون حول المنتخب الوطني، كما انقسموا على عودة لاعبٍ كان معارضاً في بداية "الثورة" إلى حضن المنتخب، استشاط سوريون غضباً عقب خسارة منتخبهم أمام كوريا الجنوبية، فيما هلّل وتشفّى سوريون لنفس الخسارة.


إذاً؛ بعد كل ما سبق، هل من عاملٍ ما أو فكرة ما، أو عمل ما قد يعيد توحيد السوريين وخلق حالةٍ من الإجماع فيما بينهم ؟


ربما، ما زال هناك بعضٌ من أمل، وإن كان بصيصاً.


قد يبدو غريباً أن ما يوحّد السوريين هو ما ليس حاضراً، فبعضه ينتمي إلى الماضي وبعضه الآخر إلى المأمول، فمعظم السوريين حتى أشدّهم معارضةً، لديهم حنين إلى أيامٍ جميلة أو مُرضية لهم ولأسرهم وأطفالهم، - بالمناسبة كان الحنين إلى فترات مضيئة دافعاً قوياً للتوحّد لدى شعوب كثيرة مثل الألمان والطليان -، وأما المأمول فيتعلق باحتياجات السوريين الأساسية، تلك التي لا يمكن اختزالها، وهي الحاجة إلى وطن تتأمّن فيه أسباب العيش الكريم، والأمان، ومعرفة ما سيخبّأه الغد لهم ولأولادهم، ما قد يوحّدهم هو توقهم للروتين، توقهم لتوقع مصائرهم.


هذه التفاصيل التي قد تبدو بسيطة، بديهية، إلا أنها في الحقيقة من أعمق ما ترتجيه نفوس وقلوب البشر، والسوريين، كل السوريين بشكل خاص، بعد أن أرهقتهم هذه الحرب حدّ الجنون، وبعد أن افتقدوا هذه الحاجات البسيطة والبديهية، حتى ظنّوا أنهم لن يعيشوها ثانيةً، وبالتالي قد تصلح هذه التفاصيل البسيطة لأن تكون أول لبنةٍ يمكن البناء عليها في ردم تلك الهوّة العميقة التي حفرتها هذه الحرب في نفوس السوريين حتى أصبحت بمساحة وطن .


قد يبدو الكلام تبسيطياً جداً للبعض بعد كل ما حدث، ومع ذلك علينا الإيمان بأن القضايا الكبرى محل الخلاف تتطلب الفهم بأن السوريين بغالبيتهم العظمى باتوا تواقين قبل كل شيء للعيش بسلام وأمان ، وبعد ذلك تأتي كل الأمور الأخرى التي من شأنها صوغ المستقبل الذي يبتغيه السوريون، من شكل الدولة و نظام الحكم، إلى الإنتخابات والدستور ومهمة الجيش وشكل الإقتصاد وو...


من المؤكد أن الوصول إلى هذا اليوم المأمول ليس قريباً، ويحتاج إلى كمٍّ هائل من الوعي والعمل، والأهم إلى مسامحة بلا حدود ، فهل نحن كسوريين مستعدون للتوقيع على "صك غفران" عن خطايانا بحق بعضنا البعض، والأصح بحق هذا الوطن الذي لطالما اتسع للجميع بمن فيهم عشرات الأقوام والأعراق التي لاذت به والتجأت إليه ؟!


هذا هو المأمول وإلا فلن يبقى هناك وطن اسمه سورية.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق:
* الاسم  
   البريد الالكتروني  
   العنوان  
* التعليق
* اكتب ناتج 8 + 4
 
منبر آسيا المزيد ...   ثقافة وفن المزيد ...   إقتصاد المزيد ...   رياضة المزيد ...   صحة وجمال المزيد ...  
شاهد المزيد
ألبوم الصور
السيد خامنئي: آل سعود رحماء مع الكفار العبادي رفض طلباً بحرينياً بإبعاد الشيخ عيسى قاسم للعراق "آسيا" تكشف عن الساعات الأخيرة لـ"داعش" في تدمر مشروع قرار عقوبات على سورية.. وفيتو "روسي" مصحوب بتوتر غربي  مكتسبات الثورة الإسلامية الإيرانية بالصور:  تجهيز مراكز لاستقبال الراغبين بمغادرة الغوطة الشرقية بالصور .. شكوى ضد كتائبية شتمت المسلمين! بالصورة..من تبنى تفجير سوق الدراويش في جبلة؟ بالصور: هكذا أحيّا أهالي نبل والزهراء ذكرى فك الحصار بالصور .. أحدث 10 أسلحة ضاربة في الجيش الروسي