الجمعة 15 كانون الأول 2017م , الساعة 10:22 صباحاً بتوقيت بيروت

إتصل بنا أعلن معنا عن آسيا أخبار الرئيسية

آخر الأخبار :



كتب بسام القاضي: أي جلاء ينتظره السوريون

خاص آسيا

2017.04.17 02:04
Facebook Share
طباعة

حين قضى الآلاف من السوريين في حربٍ متواصلة منذ أواخر القرن التاسع عشر ضد الاحتلال العثماني، وحتى السابع عشر من نيسان 1946، حين اندحرآخر محتل فرنسي من بلادهم، كانوا يفكرون بأنّ "الغد" لن يحمل إليهم مفاجآت جديدة، قاسية ودامية، تحمل في جوانبها محتلين أشدّ وطأة وأكثر إجراماً، وتحت رايات ظنّوا أنّ نواياهم في الخير ستبقيها نقية!

يقول المثل إنّ "حساب الحقل" يختلف عن "حساب البيدر"، المثل خاطئ بالتأكيد، ففي الحقل لا يوجد حساب، يوجد فقط "تقدير" مبني على ما "قد فعلْته" كي يكون البيدر جيداً.
أمّا البيدر، فهو حسابٌ "دقيق" غير قابل للشك، إنّه نتيجةٌ دقيقةٌ لما "قد فعلته".

ومهما قلنا وقدّرنا وحكينا وبرّرنا، فإن حساب البيدر هو الحاسم في أن ترى بأمّ عينيك إلى ماذا أدّى ما فعلته، ومن ثم أن يعلّمك، إن شئت أن تتعلم، ما الذي يجب أن تفعله في المستقبل.

في أواسط القرن الماضي أنجزنا جلاءنا الأول، بل الثاني (فالأول كان جلاءُ العثماني السفاح الذي ما زال يدرَّس في مدارسنا كـ"فاتح" عظيم!). ومنذ ذلك الوقت بدأنا "الزراعة" التي هي مسؤوليتنا التامة، مسؤولية شعب ودولة، أنظمة وأحزاب، قوىً وجمعيات، أديان وطوائف وقوميات.

سيطول الحديث كثيراً لو "فصفصنا" فيما زرعناه، لكنّ بعض المؤشرات قد تكون أهم من غيرها.

فمنذ ذلك الوقت رفض أغلبنا "المواطنة" الحقيقية، أي دستوراً وقوانين تجرّم أي نوع من التمييز في الحقوق والواجبات بين النساء والرجال، بين العرب والكرد والشركس و..، بين المسلمين والمسيحيين، بين الفقراء والأغنياء.. وكرسنا بدلاً منها "أنظمة" متداخلة من التمييز حتى صار التمييز الطائفي نفسه (الأدنى من الديني) قاعدة سارية المفعول في كل جانب من جوانب حياتنا.

ومنذ ذلك الوقت رفضنا أن نطلق عقال العقل والشك، النقاش والجدل، في مدارسنا وجامعاتنا كما في أحزابنا وجمعياتنا، مكرسين آلية التلقين والتقليد، فالزعيم (سياسياً كان أم دينياً) هو الذي "يفكر ويحلل ويركب" ومن ثم "يقرر".. وما على الباقين إلا التصفيق والتمجيد!

ومنذ ذلك الوقت كرسنا تصورات مريضة عن "الريف" و"المدينة"، فحولنا الكثير من المدن إلى أرياف حقيقية، وقضينا على أسس حياة ونمط عيش الريف، وتركنا الكثير الكثير من الناس عالقين في فراغ مريع بين الحالين!

ومنذ ذلك الوقت حاربنا، بالسجن والاعتقال والحرمان والتشريد وكل أشكال العسف أي صوت "يفكر".. حتى إن فكر لمصلحة هذا النظام أو ذاك، وأطلقنا سراح المسخ الديني يعيث في العقول نهشاً وتهميشاً وتسطيحاً، حتى خلا المجتمع كليا من غير هؤلاء الذين أظهروا ما أظهروه من "سجود" للسلطة، سلطة لم تكن يوماً، ولن تكون إلّا عدوتهم التي ينقضّون عليها ما دامت ليست "سلطتهم" التامة والمطلقة!

ومنذ ذلك الوقت، تركنا لكل "وهمٍ" في الأرض أن يغزونا، من وهم "الأمة العربية" حتى وهم "التعايش السلمي"، مروراً بأوهام الأمة الإسلامية والأمة السورية والأمة الاشتراكية و..، وضمناً أوهامٍ طائفيةٍ لهذه الطائفة أو تلك لم تقم أي منها إلّا على عدائها للآخر، كل آخر، حتى وإن بدت أنيابها الطائفية "تبتسم".

ومنذ ذلك الوقت، أفسحنا المجال لخراب جذري في منظومة القيم، فالفاسد هو الذي يفتح الطريق أمامه ليسود، والفسّاد هو الذين نخشى جانبه. والسلب والنهب صارت "شطارة"، والتحيز الأعمى للعائلة والعشيرة والطائفة والدين، هو "تكاتفٌ وتضامنٌ"، و..

كلٌ وهمٌ، إلا حقيقة واحدة كانت تلزمنا بشدة: المواطنة!

بالطبع، يصعب جداً تخيّل إمكانية تحقيق المواطنة دون "ديموقراطية". ديموقراطية حقيقية جانبٌ مهمٌ منها هو ما سمي "الديموقراطية التمثيلية"، أو البرلمانية، أو البرجوازية.. ديموقراطية أرعبت الحكام منذ الاستقلال حتى اليوم، فهي بكل بساطة إقرارٌ بأن بين المواطنين من هو جديرٌ أيضاً باستلام مقادير الأمور، وجديرٌ بالنجاح، وجديرٌ بالاحترام.. أو، بكلمات أخرى، ليس السادة الأبديون هم وحدهم الجديرون بالقيادة، هذا إن كانوا جديرين أصلا.

سيقول البعض، ولكنّنا حققنا أموراً كثيرة.. بينها الأمن والأمان، والاستقرار السياسي، وخدمات كالكهرباء والصحة و..

هذا صحيح في جانبٍ منه، لكنّه أقل بكثيرٍ، كثيرٍ جداً، مما كان بإمكاننا تحقيقه لو أننا أولينا الاهتمام لوطننا، لمستقبل أطفالنا، بدلاً من أن نوليه لتقديس إله غامضٍ في السماء، وإله ساحرٍ في الأرض، وزبانية يعبُدون هذا وذاك كما يعبِّد "التركس" الطريق الترابي مدمراً كل شيء، وماسحاً كل شيء!

هل كان هذا "ممكناً"؟

نعم، رغم كل الادعاءات التي خدمتها ماكيناتٌ إعلاميةٌ وحزبية وتعليمية و.. فإن ذلك كان ممكناً، كان ممكناً لأننا لسنا أول من يفعلها في العالم، بل لسنا أول من يفعلها من المجتمعات التي ظروفه تشابه ظروفنا، فلم نكن يوماً شعباً مدفوناً في القبر الوهابي، بل حتى الأخونجي، ولم نكن يوماً شعباً يفضل رعيَ الغنم على دخول المدرسة، ولم نكن يوماً شعباً عاطلاً كسولاً يفضل النرجيلة على تقليم الأشجار و..، بل إنّ الكفاءات السورية مشهودٌ لها في تأسيس وجود الكثير من أسس دولٍ ومؤسساتٍ، شرقاً وغرباً وجنوباً.

ومن الاستقلال، وحتى قبل وقت قليل، كانت الأغلبية من السوريين ما تزال قادرة على رؤية مصلحتها في "مواطنة" حقيقية، في ديموقراطية حقيقية، وبالتأكيد، في استقلالية حقيقية.

الإمكانية؟

تلك هي الكلمة السحرية التي فقدناها طويلا، أي التفكير بما يمكننا حقاً وفعلاً أن ننجزه! لا ما "نحلم" بأن ننجزه، ولا ما يدعي الفاسدون المفسدون أننا "أنجزناه"!

اليوم، تأتي ذكرى جلاء المستعمر الفرنسي فيما نصف بلادنا تحت استعمارات متعددة، الأمريكي والعثماني والوهابي والأخونجي..

فإن كنا نريد أن نتعلم من الجلاء الثاني، فحسن أن ينتهي الجلاء الثالث وقد شرعنا في "ردم" الثغرة التي أودت بنا: المواطنة.

 


بسام القاضي

(المقال المنشور يعبر عن رأي كاتبه ولا تتبنى وكالة "آسيا" مضمونه)

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق:
* الاسم  
   البريد الالكتروني  
   العنوان  
* التعليق
* اكتب ناتج 4 + 9
 
منبر آسيا المزيد ...   ثقافة وفن المزيد ...   إقتصاد المزيد ...   رياضة المزيد ...   صحة وجمال المزيد ...  
شاهد المزيد
ألبوم الصور
بالصور: مسيرة حاشدة في بيروت تضامناً مع القدس بالصور: شبكة دولية لتزوير العملات وتهريبها بقبضة الأمن بالصور: هكذا تضامن مخيم البداوي مع القدس بالصور: حادث سير مروّع في بعلبك بالصور: "حزامٌ ناسفٌ" في طرابلس  بالصور- Black Friday "يخنق" اللبنانيين على الطرقات بالصور: أبراج مراقبة على الحدود اللبنانية السورية بالصور: إخمادُ حريقٍ بمنزلٍ مهجورٍ في المعاملتين بالصور: فنان بريطاني يعتذر للشعب الفلسطيني عن وعد بلفور خامنئي لبوتين: صمودنا أمام الإرهابيين له نتائج مهمة