الاثنين 10 كانون الأول 2018م , الساعة 07:02 مساءاً بتوقيت بيروت

إتصل بنا أعلن معنا عن آسيا أخبار الرئيسية

آخر الأخبار :



آذار آخر: لهيب البوعزيزي حرق ما كان قد تيبّس أصلا!

خاص وكالة أنباء آسيا

2017.03.26 04:20
Facebook Share
طباعة

 في مثل هذا اليوم، قبل عامين، أطلقت المملكة السعودية التي لا دستور فيها ولا قيادات منتخبة، ولا حرية سياسية ولا دينية ولا فكرية ولا إعلامية، حملتها العسكرية الوحشية ضد الشعب اليمني.


وقبله بأعوام، انطلقت "الثورة السورية" التي تكشفت عن مشروع أصولي إرهابي لم يعد عاقل يشك في أهدافه ومآله.


وقبل ذلك كانت شرارات جسد البوعزيزي قد تناثرت يميناً وشمالاً، لتبدأ حريقا شاملاً في المنطقة كلها، دون استثناء، سوى أنّ بعض جزر هذه المناطق لم تطالها النيران لأنها أصلاً "صحراء بشرية" لا أخضر فيها ولا يابس، كالمملكة الوهابية.


"ربيع الدمار"، هو الاسم الحقيقي لما سمي "الربيع العربي"، والذي أظهر بوضوح، اليوم بعد 7 سنوات على اشتعاله، أنه ليس سوى حريق شامل لما تيبس خلال عقود ماضية، دفع المنطقة كلها قرونا إلى الوراء، ولا يعرف أحد متى ستتمكن من النهوض مجدداً.


فـ"المؤامرة" التي تبنت نظريتها جميع أنظمة المنطقة، قد لا تكون إسطورة، لكنها، إن كانت حقيقية، لا تعدو أن تكون جزءا عاديا من حياة المجتمعات منذ وجدت في تجمعات متنافسة متصارعة على وجه الأرض، جزءا يبقى كامناً يوما تلو الآخر، وعقدا تلو الآخر، حتى يأتي الوقت "المناسب" لينفجر.


"الوقت المناسب" هذا ليس "ساعة الصفر" كما يحلو لمدمني هذه النظرية، ولخدم الأنظمة أن يقولوا، بل هي اللحظة التي يكتمل فيها "تيبيس" المجتمع وقواه إلى المستوى الذي يصير فيه جاهزا لـ"الإختراق"، بالأحرى لـ"الإحتراق".


عبر عقود طويلة منذ أواسط القرن الماضي، رزحت شعوب المنطقة تحت سلطات وأنظمة ربما تكون قد أنجزت بعض التقدم على بعض المحاور، كالتعليم والصحة مثلا، وهو تقدم أقل بكثير من الإمكانيات الحقيقية، وأقل بما لا يقاس مما فعلته أنظمة أخرى في العالم الثالث، وليس المتقدم فقط.


لكنها في الوقت نفسه عملت بدأب على تدمير مجتمعاتها، غياب مطلق للديمقراطية، تهميش تام لأجيال متتالية من الناس، احتكار مطلق للسلطة بكل مستوياتها، إغلاق تام لأي باب يسمح لأحد بإثبات نفسه أو قدراته لا على المستوى السياسي ولا حتى على مستوى فريق كرة قدم محلي. سجون ومعتقلات وتعذيب ومنع سفر وحرمان من حقوق لكل الناشطين الذين فكروا بالبحث عن خيارات أفضل لأوطانهم.


مصادرات ومنع لكتب ومجلات وجرائد ووسائل إعلام مختلفة، حظر تام لأي شكل من أشكال التنظيم المجتمعي لا يكون "قلعة مغلقة" لأصحاب السلطة أو لاعقي أقفيتها.


فساد مكرس في الدستور والقوانين التي تحمي السلطات التنفيذية، وفي الأجهزة التنفيذية (خاصة المخابرات) التي تجعل حتى تلك القوانين القراقوشية "واحة حرية" أمام ممارساتها العملية، أبواب مفتوحة على مصراعيها لكل الطائفيين والمشعوذين والمنحطين ممن يسمون "رجال دين" إسلامي ومسيحي، بطوائفهما جميعا.


فقر وتهميش وتجهيل معرفي متعمد وممنهج، ترييف للمدينة بدلا من تمدين الأرياف، بطالة واسعة تزداد شراسة قاضمة حياة الشباب، تخريب مستمر لبنية زراعية لتحل محلها "اقتصادات" ممسوخة ليس لها تعريف. إشاعة سرطانية لمفاهيم الإستهلاك وسلوكياته المدمرة.


عقود متتالية وهذا الواقع يتفاقم علنا، وليس "سرا"! على مرأى ومسمع منا جميعا: مثقفين وناشطين ومسؤولين وأرباب أنظمة، دون أن يفعل أحد شيئا سوى حفنة من المقامرين الذين دفعوا أثمانا باهظة لمحاولتهم كسر تلك الحلقة بتنظيم هنا أو حزب هناك، بجمعية هنا أو منظمة هناك.


بل إنّ آلاف المؤشرات كانت تعبّر صراحة عن تأزم هذا الواقع، في سورية كما في تونس، وفي مصر كما في المغرب.. لكن أحدا من "ذوي الكراسي" لم يرد أن يسمع! بل سمع وعرف لكنه لم يرد أن يصدق حقيقة أن لا كرسيا في التاريخ يمكنه أن يبقى ثابتا حين "تهتز الأرض".


واهتزت!


اهتزت مع اهتزاز جسد البوعزيزي الذي أحرق نفسه لسبب أقل ما يوصف به أنه "تافه"، أحرق نفسه بطريقة استعراضية مثيرة كانت ستكون "خبرا ساخنا" في أي حال آخر سوى الحال الذي وصلنا إليه: حقول من القش المتيبس الجاهز للإحتراق فاحترق.


وحين اشتعلت النار، كان من الطبيعي أن يستغلها مسوخ الوهابية والأخونجية وعبيد الغرب الاستعماري "أحسنَ استغلال"، وليس -غير آبهين- بتدمير الأوطان والدول، بل هادفين بالضبط إلى تدميرها، ففي تدميرها فرصتهم الوحيدة لإقامة "بدائلهم" المنحطة، دينية كانت أو عميلة.


وحتى اليوم ما يزال من السهل كثيرا على أغلب الناس، سياسيين ومثقفين وعاديين، الإرتكان إلى "خرافة المؤامرة" تلك بأشكالها المختلفة، فهي تريحهم بكل بساطة من عناء التفكير، بل من عناء مواجهة أنفسهم على مرآة النار المشتعلة "ألم نكن جميعنا مسؤولين عمّا وصلنا إليه؟!"


في ذكرى "ربيع الدمار"، مات البوعزيزي،ومات مئات آلاف الناس من سكان المنطقة، سقطت دول وأنظمة وأحزاب وقوى.


لكن الأخطر، سقطت المنطقة كلها في هاوية لن تخرج منها قريبا، ولن تستعيد حتى مستوى معيشتها الحياتية السابق، معاشياً واجتماعياً وفكرياً وقانونياً.. حتى "إشعار" آخر.


بسام القاضي

المقال المنشور يعبر عن رأي كاتبه ولا تتبنى وكالة "آسيا" مضمونه

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق:
* الاسم  
   البريد الالكتروني  
   العنوان  
* التعليق
* اكتب ناتج 5 + 8
 
منبر آسيا المزيد ...   ثقافة وفن المزيد ...   إقتصاد المزيد ...   رياضة المزيد ...   صحة وجمال المزيد ...  
شاهد المزيد
ألبوم الصور
خامنئي: العراق القوي مفيد جداً لإيران بالصور: هكذا أحيت بلدية القاع ذكرى "فجر الجرود" بالصور: البخاري يودع الحجاج في مطار بيروت روحاني: لا مفاوضات مع ترامب بعد تخليه عن الإتفاق النووي بالفيديو: كارثة بيئية تصيب بحيرة القرعون بالفيديو: ماقصة الاشكال في الشياح؟ اشتباكات بين عائلتي الجمل وجعفر في الهرمل الأسد: سأزور إيران قريباً مجدداً.. أهالي الموقوفين الاسلاميين يعتصمون في طرابلس بالصورة: اعتصام  لموظفي "سعودي أوجيه" في طرابلس