روسيا وتركيا : تاريخ الجفاء والصفاء

بقلم : توفيق شومان

2020.03.06 - 04:45
Facebook Share
طباعة

 لا يدخل الإتفاق الروسي ـ التركي حول منطقة إدلب في " عالم الغرائب " ، ولا تندرج المصافحة بين الرئيسين فلاديمير بوتين ورجب طيب أردوغان في " فضاء العجائب "، فالإتفاق والمصافحة معادلتان تقليديتان لدى الروس والأتراك ، تماما مثلما هي حال الحروب والصدامات بينهما .

التاريخ المشترك بين تركيا وروسيا حافل بالكر والفر، والفراق والعناق ، وبين الطرفين عشرات الحروب وعشرات الأحلاف ، حين يتحاربان لا يرحمان وحين يتحالفان يعشقان .

ماذا يقول التاريخ ؟

أولا : في كتاب الحرب والجفاء :

أولى الحروب بين روسيا وتركيا وقعت بين عامي 1568 و1570، ومعروفة ب " حرب مدينة استراهان " ، واستولت الجيوش الروسية على هذه المدينة التي كانت تتبع للسلطنة العثمانية في شبه جزيرة القرم .

في عام 1681، نشبت " حرب موسكوفا "، المدينة الواقعة في أوكرانيا ، ومن خلال هذه الحرب ، سعت روسيا لبسط سيطرتها على أوكرانيا ورومانيا الواقعتين آنذاك تحت سلطة الباب العالي العثماني .

بعد " حرب موسكوفا " بسنتين ، نشبت " حرب فيينا " عاصمة النمسا عام 1683، وفيما كان يقف العثمانيون على أبواب فيينا ، انضمت روسيا إلى " الحلف الأوروبي " للدفاع عن مدينة فيينا ، فتراجع العثمانيون إلى وسط أوروبا ومنطقة البلقان.

في عام 1696، اندلعت حرب " مدينة آزوف " المشاطئة لبحر آزوف المتفرع من البحر الأسود ، ونجح الروس في الإستيلاء عليها ، وبعد أربعة أعوام أرسل القيصرالروسي بطرس الأكبر مندوبا إلى اسطنبول على ظهر بارجة حربية للإيحاء بإستعداده للحرب وتوسيع نفوذه في البحر الأسود ، إلا أن العثمانيين ردوه على أعقابه وأعلنوا الحرب واستعادوا مدينة آزوف في عام 1711.

وخلال الفترة نفسها تحالف ملك السويد كارل السابع مع السلطان العثماني أحمد الثالث ، وحال الحلف المذكور دون تمدد الجيوش الروسية نحو السويد وروسيا البيضاء .

وما بين الأعوام 1735ـ 1739 ، اشتعلت " حرب البلقان " ، فتواجهت الجيوش العثمانية مع الجيوش الروسية والنمساوية ، وانتهت هذه الحرب بما يُعرف تاريخيا ب " صلح بلغراد ".

وبعد الحرب السالفة ، وقعت حرب القرم وجنوبي أوكرانيا ، واستمرت من سنة 1768 إلى سنة 1774، وأفلحت بموجبها الإمبراطورية الروسية بضم شبه جزيرة القرم والجنوب الأوكراني عبر اتفاقية سلام معروفة بإسم " كوجشوك كاينرجي " موقعة بتاريخ 6 تموز / يوليو 1774، وفي هذه الحرب وصلت الأساطيل البحرية الروسية إلى شواطىء لبنان وفلسطين وقصفت مدينة بيروت و " أخربت نحو ثلاثمائة بيت " كما يقول محمد فريد بك (1868 ـ 1919) في كتابه " تاريخ الدولة العلية العثمانية "، وسعى الروس إلى مساعدة الناقمين والمتمردين على السلطنة العثمانية ، مثل علي بك الكبير في مصر وظاهر العمر في مدينة عكا الفلسطينية ، ونشروا سلاحا وعتادا على شواطىء مدينة صيدا اللبنانية .

يقول لويس الحاج في كتاب بالغ القيمة ( مشكلة المضائق ـ دار المكشوف ـ بيروت 1947) في عام 1779 : " رزقت كاترين الثانية قيصرة روسيا وليا للعهد أسمته قسطنطين ، فأوحى لها هذا الإسم خطة لإحتلال القسطنطينية (اسطنبول )، وبعد أن أنشأت كاترين الثانية قاعدة عسكرية في مدينة سيباستبول في القرم ، دعت إمبرطور ألمانيا إلى زيارتها ، وفي إحدى الحفلات ، مر العاهلان تحت قوس نصر تتوسطه لوحة كتبت عليها هذه الكلمات المثيرة : طريق بيزنطة المقدسة ، وبعد أيام احتشد أسطولها في سيباستبول ، فما كان من الأسطول العثماني إلا أن تجمع عند مصب الدنيبر ، ونشبت الحرب بين الدولتين في آب / أغسطس عام 1787".

لم ينته بعد تاريخ الحرب بين روسيا وتركيا

في حروب القرن التاسع عشر التالي :

اندلعت "حرب اليونان " بين تركيا روسيا في عام 1827، وتشارك الأسطولان الروسي والإنكليزي في تحطيم الأسطول العثماني ، وانتهت الحرب بإستقلال اليونان و بتوقيع " اتفاقية أدرنه " في عام 1829 والتي تتيح استخدام السفن التجارية الروسية للمياه العثمانية " ولا يجوز إقفالها بحال من الأحوال ".

في عام 1853، وقعت " حرب القرم " مجددا ، واصطفت فرنسا وبريطانيا الى جانب تركيا ، وانتهت في 30 آذار/ مارس 1856، ب " اتفاقية باريس " الجائرة كما سماها الروس ، لأنها عكست هزيمتهم في تلك الحرب ، وفي عام 1877 استعرت الحرب الروسية ـ التركية إثر مساندة روسيا ل " حرب الصقالبة " أو " وحدة بلاد السلاف " ، حيث سعت اليونان والمجر ورومانيا لإقامة اتحاد سلافي عاصمته اسطنبول ، وعلى أن يكون هذا الإتحاد تحت راية و حماية الإمبراطورية الروسية ، إلا أن بريطانيا عارضت ذلك ، وأرسلت مذكرة إلى روسيا بتاريخ 6 آذار / مارس 1877 ، مؤكدة فيها معارضة " صاحبة الجلالة " لإنتزاع القسطنطينية من أيدي العثمانيين .

وما أن حل عام 1895، حتى تحفزت روسيا لإجتياح اسطنبول بذريعة إيقاف المذابح التي يتعرض لها الأرمن ، ومرة أخرى كانت بريطانيا وفرنسا لها بالمرصاد ، وفي العاشر من آذار/ مارس1915، في ذروة الحرب العالمية الأولى ، طالبت روسيا بصراحة عبر رسالة إلى فرنسا وبريطانيا بأن تكون اسطنبول والشواطىء الغربية ومضيق البوسفور والدردنيل وبحر مرمرة ومصب نهر سكاريا تحت السيادة والمُلكية الروسية ، وفي عام 1945، طالبت روسيا المتحولة إلى الإتحاد السوفياتي بضم ولايتي قارص وآرداهان الواقعتين في شمالي شرق الأناضول وتعديل الحدود التركية على الجانب الأوروبي ، وفي ظل تفاقم التوتر والإضطراب بين تركيا وروسيا ، انضمت الأولى إلى حلف " الناتو" في عام 1952، متخذة موقع رأس الحربة في الحرب على الشيوعية .

ذاك عن تاريخ الجفاء بين روسيا وتركيا

ماذا عن تاريخ الصفاء؟

ربما مقولة " لا تحالفات ولا عداءات ثابتة في السياسة " ، المنسوبة إلى رئيس الوزراء الإنكليزي ونستون تشرشل(1874ـ1965) ، أكثر ما تنطبق على مسار العلاقات التركية ـ الروسية طوال أربعة قرون ، والقارىء ل " كتاب الحرب " ، تأخذه الوهلة الأولى إلى انطباع أولي بأن تلك العلاقات ليست إلا صليل سيوف ، إلا أن الوجه الثاني الحافل بالتحالفات والصداقات والمصالح المشتركة ، يبدد سريعا الإنطباعات العاجلة والمتعجلة.

في " كتاب الصفاء " التركي ـ الروسي ، نقرأ :

يقول محمد فريد بك في كتابه " تاريخ الدولة العلية العثمانية " أن الروس والأتراك تقاسموا بلاد الأرمن والكرج وطاجكستان وجبالا في القوقاز في معاهدة ثنائية توصلوا إليها في الرابع والعشرين من حزيران / يوينو 1724.

وحين هاجم نابوليون بونابرت مصر عام 1798، تحالفت السلطنة العثمانية والإمبراطورية الروسية لصده ، وأمد الروس حلفاءهم العثمانيين بما يلزم من سلاح وسفن حربية إلى لحظة انكسار بونابرت على أبواب مدينة عكا.

في عام 1812، تعاهدت روسيا وتركيا ، وقضت المعاهدة بإعتراف روسيا بالسيادة التركية على صربيا وعلى بلاد الأفلاق والبغدان ( رومانيا ـ مولدوفيا ) .

وبحلول عام 1832، كان القائد المصري ابراهيم باشا ، قد أنزل هزائم عدة بالجيوش العثمانية ، وقطع جبال طوروس وإقليم آضنه متقدما نحو مدينة قونية في قلب الأناضول ، وفي ذروة التراجيديا تلك ، تدخلت روسيا لصالح السلطنة العثمانية وأنزلت خمسة عشر ألف جندي روسي على شواطىء اسطنبول لحمايتها من غزو الجيوش المصرية المحتمل !!!.

وأعقب النجدة الروسية لتركيا ، معاهدة دفاعية ثنائية في عام 1833 دُعيت بإسم "خونكار أسكلي سي" ، تعهدت خلالها الإمبراطورية الروسية بالدفاع عن السلطنة العثمانية في حال هاجمها المصريون أو غيرهم.

في كتاب " الإمبرطورية العثمانية وعلاقاتها الدولية " لنينل الكسندروفينا دولينا ، ورد أن في أربعينيات القرن التاسع عشر ، دفع القوميون اليونانيون عقدة الحدود مع تركيا إلى واجهة الأحداث العالمية ، فكان قسم من القوميين مع فرنسا ، وقسم آخر مع بريطانيا ، وهو أمر دفع روسيا إلى اتخاذ موقف قريب من تركيا في عام 1843، إذ اعتبرت روسيا " أن ما يجري مؤامرة يمكن أن تضرم النيران في الشرق كله ، ولهذا توقفت عن تأييد الطموحات اليونانية ".

سقطت الإمبراطوريتان الروسية والعثمانية في الحرب العالمية الأولى

جاء فلاديميرأوليانوف (لينين ) وكمال آتاتورك .

أبرم القيصر والسلطان الجديدان اتفاقا في عام 1920قضى بألا يعقد الأتراك اتفاقا مع محور الحلفاء الغربيين بدون مشورة روسيا مقابل دعم الأخيرة لتركيا ماديا ومعنويا ، وفي شباط / فبراير 1921عقب مؤتمر لندن توصل الكماليون والشيوعيون إلى معاهدة تنص على عدم موافقة أي منهما على كل تسوية أو معاهدة دولية يحاول الغرب فرضها على تركيا الآتاتوركية أو الإتحاد السوفياتي .

في عام 1925 وقعت تركيا والإتحاد السوفيياتي " معاهدة صداقة "، وتم تجديدها في عام 1929، وأسهم السوفييات في إنتاج اتفاقية " الميثاق البلقاني " في عام 1934 بين تركيا ورومانيا واليونان ويوغوسلافيا ، وفي العام نفسه تم توقيع معاهدة عدم اعتداء بين أنقرة وموسكو.

بدا في عام 2000، أن فلاديمير بوتين ، يسرع الخطى نحو أن يكون رجل روسيا القوي

وفي عام 2002، بدا أن رجب طيب أردوغان في الطريق نحو أن يكون رجل تركيا القوي .

وهكذا كان ...

الرجلان مأخوذان بروحي إمبراطوريتين منهارتين وطموحتين

الإثنان قرآ التاريخ الروسي ـ العثماني بوجهيه : وجه التذابح ووجه التصافح.

يعرف فلاديمير بوتين أن الغرب يريد حصاره عبر أوكرانيا وخط الغاز الأوكراني ، فذهب إلى تركيا وخط الغاز التركي

هذا لم يمنعه أن يردع تركيا في سوريا بالقوة العسكرية ويقلص طموحاتها إلى حدود الشريط الحدودي .

يعرف رجب طيب أردوغان أن ذاكرة الغرب سيئة تجاه تركيا ، فيناور مع روسيا بمنظومة صواريخ s400 ويفتح أراضي بلاده أمام الخبراء الروس لبناء مفاعلات نووية في تركيا

هذا لم يمنعه من التحرش بروسيا وإسقاط طائرة مقاتلة لها في عام 2015.

يدرك السيد بوتين أن الغرب سيمضي بفرض الحصار المالي والتجاري على روسيا ، فيذهب إلى تطوير العلاقات الإقتصادية مع تركيا لتتعدى الأربعين مليار دولار ، مرشحة إلى التصاعد المستمر

هذا لم يمنعه من إعطاء الضوء الأخضر لقتل عشرات الجنود الأتراك في حرب إدلب.

يدرك السيد أردوغان أن الإتحاد الأوروبي لن يفتح أبوابه لتكون تركيا عضوا مقبولا في السوق الأوروبية المفتوحة ، فيجد ضالته في السوق الروسية المفتوحة على الصادرات التركية المتنوعة ، من الخضار إلى الفواكه إلى الجلود والألبسة والسكاكر المختلفة

هذا لم يمنعه أن يخوض حربا غير معلنة مع روسيا في سوريا .

يوقن السيدان أردوغان وبوتين ، أن في عقل كل منهما إمبراطورية قيد الحلم والتكوين ، فروسيا بحاجة إلى الإقتصاد القوي ، وتركيا بحاجة إلى التكنولوجيا العسكرية ، ولذلك لا ضرورة لحرب عاجلة بين " إمبراطوريتين " قد تتشكلان وقد لا تتشكلان ، ولكن لا بأس من صدام خارج الحدود ، في سوريا أو في ليبيا ، أو ربما في ميدان آخر إذا اقتضى أمر ملحاح أو عجول .

ليس " اتفاق إدلب " الجديد بين روسيا وتركيا سلاما مستداما

" اتفاق إدلب " وقفة متحاربين يستعدان لمعركة مقبلة

وما بين وقفة المتحاربين واستعدادهما لمعركة آتية ، يحدث أن يتباسم المتحاربان ، ويتصافحان ، ويتهاديان ، ويتبادلان الحلوى ، وربما يتقاسمان غنائم وأرباحا.

هذه هي حال التاريخ التركي ـ الروسي

حرب فمصافحة فحرب

هذه هي حال بوتين ـ أردوغان

معركة فمصافحة فمعركة

هذه هي حال " اتفاق إدلب ".

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 1