كتب بسام القاضي: هل يمكننا أن نخرج من هذا الخراب؟

2020.03.03 - 04:33
Facebook Share
طباعة

 يحلو لنا، في هذه المنطقة من العالم، أن نعتقد بأننا "منطقة مركزية"، أو جزء بالغ الأهمية للدول الكبرى، أو أن لدينا موقع استراتيجي أو ميزات معينة تجعلنا مهمين. لكن الحقائق قد تكون بعيدة جداً عما يحلو لنا، عن أمنياتنا المستمدة أصلاً من ماضٍ لم يبق منه سوى الأطلال.


فالواقع يقول إن شرق المتوسط بالكاد يوجد على خريطة العالم الاقتصادية. فإذا تجاهلنا "النفط"، فإننا لا ننتج شيئاً على وجه الإطلاق! لا إبرة ولا سيارة ولا تطبيقاً ولا تكنولوجيا.. وكل ما "ننتجه" مرهون بآلات بالكاد نستطيع إصلاح أجزاء بسيطة منها إذا تعطلت، ونفعل ذلك باستخدام أدوات ومواد ليست من إنتاجنا!


والنفط نفسه، الذي ليس لنا يد في وجوده، يستكشف وينقب عنه ويستخرج ويكرر ويحول، بل وحتى يحرق أو يصدر بأدوات وآليات وعقول، وحتى "قرار" ليس لنا. وبالتالي فنحن، في معادلة النفط نفسها، الهامة للاقتصاد العالمي، لسنا سوى "منتجات ثانوية" صدف أنها تعيش حيث يوجد النفط!


ولا داعي للحديث عن زراعتنا العظيمة التي لم يبق منها سوى الذكريات. فعدا عن "التصحر" الطبيعي، والتصحر "الفسادي"، بتنا نستورد البذار التي نزرعها، والسماد الذي يغذيها، والأدوية التي تحميها، والمواد التي تغلف ثمارها، وطبعاً: المواد التي نصلح بها أسناننا لنمضغها!


أماعسكرياً، فحدث ولا حرج! لا يحمل جندي واحد في شرق المتوسط، بل من المحيط إلى الخليج: حتى "فتاحة علب" وطنية! وليس في هذه الجيوش "الجرارة" خطة واحدة "محلية"! ولا تصمد كل هذه الجيوش، مجتمعة، شهراً واحداً أمام "غزو" أمريكي حقيقي من ذلك الذي يحلو لنا أن نسميه "صراع وجود"!


وإذا كانت بعض الأوهام قد عشعشت في عقولنا خلال فترات سابقة من التاريخ الحديث، حول "القرار الوطني" للأغلبية الساحقة من جيوشنا، فإن "الربيع الأخونجي" قد سحقها إلى غير رجعة!


وبالتالي، فإن هذه المنطقة لا تحتل حتى سطراً أخيراً كاملاً في عالم القتل اليوم، أو في عالم الجيوش والقوى العسكرية.


وكما نعرف جميعاً، لا يتمتع فرد واحد في هذه المنطقة "الأثرية" من "حقوق وحريات وكرامة ومواطنة"، تلك "الرفاهية" التي لم يفكر بها يوماً على أمل تحقيق أحلامه الكبرى بـ"وطن عربي واحد"، و"نهضة قومية"، و"اشتراكية" و"عدالة في توزيع الثروات"، وطبعاً: "الأمن والأمان"!


لكن شيئاً من ذلك لم يتحقق، فـ"الوطن العربي" يقتل بعضه بعضاً ليل نهار، و"القومية" تحولت إلى أكثر أشكال القبلية والطائفية انحطاطاً، و"الاشتراكية" حولت الطبقة الوسطى والفقراء إلى معدمين متسولين على أبواب غيلان جديدة لا تتمتع حتى بالحد الأدنى من "أخلاق البرجوازية التقليدية" أو حتى "أخلاق الإقطاع المندثر"!


وبالطبع: لم يعد لفرد واحد، من المحيط إلى الخليج، أي مقدار من الأمن والأمان الحقيقي، لا من سلطة تغولت بلا حدود، ولا من "خارج" يتسلى بها ويستخدمها أدوات تافهة في تأمين مصالحه وصراعاته.


ولأن السياسة، كما كانت وستبقى، تعبير مكثف عن الاقتصاد (مع إدخال القوة العسكرية بعدما صار من الممكن الفصل بين الاقتصاد والقوة العسكرية إلى حد ما)، وانعكاس أساسي لقوة المجتمع وحيويّته، فمن غير الممكن أن تكون لنا سياسة مؤثرة في أي قضية من قضايا العالم، خاصة أننا برهنّا برهاناً ساطعاً على أن ليس لدينا سياسة مؤثرة حتى على قضايانا ذاتها!


سيقول البعض أن هذه "رؤية تشاؤمية"! أو أنها تعبير عن "إحباط ويأس" سعى الأعداء إلى زرعهما في نفوسنا! لكن هذا القول باطل. فالتشاؤم لا يكون في رؤية الواقع كما هو، مهما بلغت مآسيه، بل يكون في رفض رؤية مستقبل ممكن، أو "فرصة" ممكنة، أو حتى "منفذ" قد يفتح.


وهذا الواقع مغلق اليوم إنغلاقاً تاماً. ليس فيه منفذ واحد قائم الآن. ولن يفتح فيه منفذ مهما صغر، إلا إن تمكنت "طليعة" نشطة وحيوية وجريئة ومبادرة من أن تفتح الطريق. الطريق الذي لن يمر عبر أمريكا وفرنسا، أو أنقرة والرياض. ولا عبر انقلاب عسكري أو إسقاط حكومات. ولا عبر أحزاب وقوى أصلها وفصلها وكل مبتغاها طائفي بطائفي. بل فقط عبر التمكن من العمل على "مجتمع مدني" يتحرر من قيوده الأكثر تجذراً: انتماءات ما قبل المواطنة بكل أسمائها وألوانها: من الإرث العرقي، مروراً بالتاريخ الدينكوشوتي، وحتى الدين والطائفة.


وهذا التحرر ليس "براءة" من هذه الانتماءات ولا اجتثاث لها، كما يحلو للحمقى أن يقولوا، بل هو إعادتها إلى مواقعها الطبيعية بصفتها انتماءات شخصية عاطفية أخلاقية لا قيمة لها ولا دور في علاقة الأفراد بعضهم ببعض، وبالتالي الجماعات بعضها ببعض. أي لا علاقة لها بالعقد الاجتماعي المتجسد في دستور وقوانين وآليات حياة.


ورغم أن هذا يبدو "طوباوياً" في واقع تجري فيه الدماء منذ عقد بلا توقف (بل منذ قرون إن أردنا التوصيف الحقيقي)، لكنه، مهما قيل عنه: المخرج الوحيد الذي يتيح لأبنائنا (وليس لنا) فرصة الوصول إلى فسحة ضوء ما. مخرج يعرف أعداؤنا (الخارجيون والداخليون، القريبون والبعيدون) أنه سيمنح أطفالنا فرصة حياة يستحقونها، لذلك يخشونه أكثر مما يخشون أي أمر آخر، أكثر من كل صواريخ وطائرات وبوارج ودبابات وسجون ومعتقلات و... حاضرنا المأفون.


المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس بالضرورة رأي وكالة أنباء آسيا

 
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 3 + 7