كتب بسام القاضي: لماذا يرفض المتظاهرون تمثيلهم سياسياً؟

خاص آسيا

2020.02.25 - 08:44
Facebook Share
طباعة

 تميز "الربيع العربي"، بأصوليته المعلنة وارتباطه المباشر والصريح مع الغرب الاستعماري، و بأنه شكّل أول "تجارب" مسجلة لفئات واسعة من الشعب تخرج على الأنظمة الحاكمة، وتبقى لزمن طويل بلا "قيادة" واضحة تعبّر عنها وتسعى إلى تحقيق مطالبها.
ومرت أول تجربتين "على خير" في تونس ومصر، ربما بسبب الوقت القصير الذي فصل بين الحراك وبين تغيّر النظام، رغم أن النتائج، حسبما يؤكد كثيرون في البلدين، لم تختلف في جوهرها عن "تغيير وجوه"، فيما بقيت كل القضايا التي تسببت بـ"الثورة" كما هي، أو ازدادت سوءاً في بعض المجالات.
أما في حالة ليبيا، فتفاقمت حتى وصلت إلى تدمير كامل وشامل للدولة والمجتمع، وفي سورية دمر الاقتصاد وعاد المجتمع قروناً إلى الوراء معمقاً غرقه في الطائفية والتفكك المجتمعي رغم بقاء الدولة.
لكن التجربتين الدمويتين أعادتا تأكيد حقيقة عرفتها كل الأحزاب "الجادة" والقوى المجتمعية والقادة فيما مضى، وهي أن "ثورة" أو حراكاً على نطاق واسع لا يفرز قياداته، أو لا يجد قيادات هنا أو هناك، هو حراك سيلاقي مصيراً سيئاً.
في ليبيا لم تكن هناك قيادة جدية وفعالة.. بل مجرد أشخاص شلهم الحقد والهوس بالسلطة، وأضاعت أي إمكانية للرؤية أسطورة أن بضع أيام من "الاعتصام" كفيلة بإنهاء النظام الحاكم، ومن ثم أن فرنسا وبريطانيا وأمريكا لا هم لها سوى "سعادة ورفاهية" الشعب الليبي، وهي ستدمر النظام لتسلم "الشعب" السلطة فيعيش في سلام ورخاء وحرية وديموقراطية!
ولم يختلف الأمر في التجربة السورية، رغم وجود الكثير من "الأسماء" التي نصبت نفسها "متحدثة" باسم الشعب، تصول وتجول على الفضائيات، دون أن يكون أي منها متحدثاً حقيقياً، ودون أن يكون لها أي أثر بين الناس، إلى أن ظهرت القيادات الدينية والطائفية، والمرتبطة بالمشاريع الإقليمية والدولية، فاستولت على الحراك وعبّرت عنه أو جعلته يعبر عنها.
في الحقيقة، كانت هذه التجارب الدموية تستند إلى واقع بسيط: ليس في المجتمع قوى حقيقية سياسية بالمعنى التقليدي، أو بالمعنى الجديد (مدنية) تحظى بجماهيرية ملموسة، ولديها برامج واضحة، وقيادات، ونماذج مرغوبة من الشخصيات، لتختارها "الجماهير" بديلاً عن الأنظمة القائمة وشخصياتها وبرامجها.
ومضى ما يقارب العقد على جميع هذه التجارب. لكن يبدو أن "الشعب" في لبنان والعراق يرى الأمور على غير هذا النحو، ولا يعطي أي أهمية لضرورة وجود "القيادة" المنظَمة والمنظِمة.
فها قد مضت أشهر على بدء الحراك في كلا البلدين. الحراك الذي اتفق الجميع على أن مطالبه محقة، الجميع أي: السلطة الحاكمة، والقوى السياسية المرئية، والقوى "الخفية"، وعموم الناس. وشهدت هذه الأشهر صدامات واضحة مع النظامين، وأدت إلى وقوع قتلى وجرحى، وفاقمت من الأزمات الإقتصادية العميقة التي يعيشها البلدان.
كما أدت أيضاً إلى خلخلة كبيرة في "استقرار" النظامين في لبنان والعراق، تجلت في استقالة الحكومة في البلدين، والصراعات التي تكشفت أكثر بين تياراتها وقواها، ومحاولة كل من هذه التيارات والقوى، منفردة ومجتمعنة، تبرئة نفسها من المسؤولية عن الأسباب التي أدت إلى خروج الناس.
ورغم وجود الكثير من التحليلات عن "أيدٍ خفية" تقوم بتحريك هذه الجماهير، فيما يرفض المتظاهرون أنفسهم هذا القول، فإن كلا الحراكين لم يفرزا حتى اليوم "قيادة" تمثلهما، لا على شكل حزب أو حركة سياسية، ولا على شكل شخصيات بعينها.
قال البعض إن هذا هو "الطريق الجديد" لحراك الناس وللثورات الشعبية، لكن هذا الطريق هو ما دمر ليبيا بالكامل، وسورية إلى حد بعيد. وهو ما يظهر العجز الكامل للحراك نفسه عن تحقيق أي شيء فعلي، ببساطة لأنه "لا صوت له".
لكن ما يطلبه المتظاهرون في لبنان والعراق ليس "خطة اقتصادية"، ولا تعديلاً وزارياً، ولا أمراً واضحاً محدداً.. بل لا يطلبون حتى "تغيير حكومة"، بل يطلبون أن لا تتضمن الحكومة الجديدة أياً من "الأوجه المعروفة" التي تنتمي إلى القوى السياسية الموجودة! ولا يستثنون الشخصيات السياسية الموجودة في السلطة، أو تلك التي كانت في السلطة في مراحل سابقة، أو تلك التي تنتمي إلى القوى والأحزاب التي لم تحظ بحصتها من السلطة!
وفي الوقت نفسه، ليس لدى هذا الحراك (في لبنان أو العراق) قيادات أو شخصيات معلنة واضحة يدعمها ويطلب أن تقوم هي بتحقيق مطالبه!
بل إن كلا الحراكين يعلنان رفضهما لواقع "البرلمان" في البلدين، ويريدان تمثيلاً جديداً. وكلاهما غير راضٍ عن قانون الإنتخابات ويتهمه بأنه المسؤول عن واقع البرلمان!
كيف يمكن إذاً تحقيق مطالب المتظاهرين في ظل هذه المعطيات البسيطة؟!
لا قانون الانتخاب صالح، ولا البرلمان القائم صالح، ولا الحكومة المستقيلة أو المزمع إقامتها صالحة، ولا الشخصيات المعروفة (وجميعها "منتمية" سياسياً) صالحة، وفي الوقت نفسه: ليس لدى الشارع قيادة ليمكن القول إن هذه القيادة هي من يمكنها أن تقود "التغيير" الحقيقي والفعلي؟!
فشل، أو عدم تمكن، أو عدم رغبة، أو (أياً كانت التسمية) الحراك في لبنان والعراق بفرز قيادات له، تمثله، وتضع برنامجه (السياسي والاقتصادي و..) بشكل سياسي واضح، قيادات تعمل على أن تقود هي تطبيق هذا البرنامج عبر تبوئها مناصب الحكومة.. يعني أن خطر انتهاء هذين الحراكين إلى ما انتهى إليه الحال في ليبيا وسورية هو الاحتمال الأرجح.
ولا يبدو أن هناك مصيراً آخر إلا بقبول "حل" تطرحه القوى السياسية القائمة، أو بأن يفرز الحراك نفسه تمثيله السياسي الواضح والمنظم، والقادر على أن يتبوأ مناصب "السلطة التنفيذية" ويحقق مطالب المتظاهرين.
 
المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس بالضرورة رأي وكالة أنباء آسيا
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 9