خاص - "كهرباء لبنان" المختطفة منذ نصف قرن .. استحقاق داهم أمام حكومة دياب

كريم أبو ماضي

2020.02.19 - 10:46
Facebook Share
طباعة

 قلما يوجد بلد من بلدان العالم الثالث - ويسمى العالم النامي الذي تقع جميع الدول العربية في مجاله- لا يعاني من مشكلة تأمين التيار الكهربائي على مدار الساعة، باستثناء بعض البلدان بالغة الثراء النفطي. فحتى اليوم ما زال النفط هو أساس توليد الكهرباء الرئيسي في هذه الدول، فيما الطاقة النووية والطاقة النظيفة (الشمس والرياح) بعيدة المنال عن هذه الدول للعديد من الأسباب.

 
لبنان أيضاً واحد من هذه البلدان التي تعاني. فمن جهة هو بلد صغير شرق متوسطي. لا تتيح جغرافيته وموقعه إمكانية الاعتماد على الطاقة النظيفة بصفتها مصدراً حقيقياً، خاصةً في ظل التكاليف الباهظة لتوليد هذه الطاقة. وبالطبع ليس مسموحاً له امتلاك طاقة نووية سلمية كانت أو غير سلمية، وبالتالي لا يبدو أن هناك خيار واقعي في لبنان سوى توليد الكهرباء باستخدام النفط ومشتقاته، ضمناً الغاز الطبيعي.
 
من جهة أخرى، كان للحرب الأهلية التي استمرت لنحو 20 عاماً بالغ الأثر في كل ما يعانيه لبنان، وضمناً الكهرباء، حيث أكلت هذه الحرب الأخضر واليابس، وأحدثت في المجتمع والمؤسسات ومنظومات القيم تغيرات جوهرية، وقبل أن تحط الحرب أوزارها بصفتها "حرباً عسكرية"، انتقل سادة تلك الحرب أنفسهم، الذين كانوا يتصارعون بالسلاح، إلى ساحة "الحكومة" فيتنازعونها كلٌّ لمصلحته، بما فيها مؤسسة الكهرباء، التي تقول العديد من التحليلات أنها باتت مؤسسة عاجزة عن جبابة حقوقها، وعن متابعة التعديات على شبكتها، إضافة إلى عجزها عن تطوير البنية التحتية لتوليد الكهرباء، وبالتالي تلبية الطلب المتزايد.
 
قبيل الحرب الأهلية التي اشتعلت شرارتها في آذار 1975، كان لبنان ينعم بالتيار الكهربائي على مدى 24 ساعة، وكان عدد سكان لبنان نحو 2.5 مليون نسمة، يعيش الكثير منهم في أرياف بعيدة إما لم تصل إليها الكهرباء، أو أن اعتمادها على هذا المصدر لم يتجاوز حدود الإنارة وبعض الاستخدامات البسيطة.
 
أما اليوم، فيقترب عدد سكان لبنان من 6 مليون نسمة (تضاف إليهم الزيادة الكبيرة في عدد اللاجئين الفلسطينيين، والسوريين)، وبالكاد يخلو بيت من الكثير من الأجهزة الكهربائية مثل الغسالة والبراد والمكيف والسخانة وغير ذلك.
 
وقبيل الحرب الأهلية كانت استخدام الكهرباء في الصناعة والزراعة في حده الأدنى، فقد كانت أغلب الآلات تعتمد على مشتقات النفط. أما اليوم فأكثر آلات القطاعين تستخدم الكهرباء بشكل مكثف.
 
ولا يختلف الأمر مع المنشآت السياحية التي تضاعفت، والاستهلاك العام لقطاعات مثل كهرباء الشوارع والأبنية العامة التي تضاعفت أيضاً، وما إلى ذلك. إضافة إلى المنازل والبيوت، فقد سجلت مؤسسة كهرباء لبنان أكثر من 200.000 مشترك جديد في 8 أعوام فقط (2005-2013)، 42% في العاصمة بيروت وحدها.
 
وأشار مسح أجري في عام 2013 إلى أن نحو 70% من الأسر اللبنانية، و76% من التجار يعتمدون على المولدات الخاصة لتأمين الكهرباء، سواء المولدات بالاستطاعات المناسبة للمنزل، أو تلك الكبيرة التي تركب في الحي وتزود العديد من المشتركين في وقت واحد.
 
تعد مؤسسة كهرباء لبنان (الرسمية) صاحبة الحق الحصري بإنتاج وتوزيع الكهرباء منذ عام 1969، لكن الحكومات المتعاقبة لم تلتزم بهذه "الحصرية"، وبالتالي لم تلغ أياً من الامتيازات التي كانت ممنوحة للبعض منذ أيام الاحتلال الفرنسي، مثل تلك الامتيازات التي ما تزال سارية المفعول حتى اليوم في زحلة ومحيطها وبحمدوون وجبيل، وإن كانت محصورة بالتوزيع دون الإنتاج. ومن المعروف أن قطاع التوزيع هو أيضاً قطاع مجزٍ جداً إذا أدير بطريقة تجارية ذكية.
 
وهذه الامتيازات الخاصة تقوم بدور "الوسيط" بين الدولة والمستهلك، دون أن تقدم أي قيمة مضافة. فهي فقط تشتري الكهرباء من الدولة بأسعار مخفضة، ثم تبيعها للناس في مناطقها بأسعار باهظة!
 
وحسب بعض التقارير فإن امتياز زحلة يحصل على الكهرباء من الدولة بسعر 50 ليرة للكيلووات/ساعة (75 ليرة لامتياز جبيل)، ويقوم ببيعها للناس بسعر وسطي يبلغ 139.5 ليرة، وهو السعر المقرر من قبل الدولة. وهذا ما أمن لامتياز زحلة أرباحاً صافية تقدر بنحو 10 مليار ليرة لبنانية سنوياً حسب تقرير رسمي اطلع عليه مجلس وزراء لبنان في 2012، دون أن يقوم بأي عمل. وهذه الأرباح خسرتها مؤسسة كهرباء لبنان التي بإمكانها إيصال الكهرباء مباشرة إلى الناس، وجباية حقوقها منهم مباشرة.
 
ورغم أن المؤسسة كانت تستعين بالقطاع الخاص في صيانة وتشغيل معملي دير عمار والزهراني، فإن حقها الحصري بإنتاج الكهرباء استمر حتى العام 2015، حين بدأت "شركة كهرباء زحلة المساهمة" بإنتاج الطاقة من مولداتها الخاصة، وتوزيعها مباشرة على الناس، بأسعار أعلى بكثير من السعر الرسمي للكيلووات الساعي.
 
هذا الواقع المستمر منذ فترة طويلة: القطاع الخاص المشارك في التوزيع منذ وقت طويل، وفي الإنتاج على نطاق المولدات منذ وقت طويل، وفي الإنتاج والتوزيع على نطاق واسع منذ 2015، يوصل إلى نتجة مؤكدة هي أن مشكلة الكهرباء في لبنان ليست مشكلة "قطاع عام" مترهل أو فاسد، أو كلاهما معاً، وسيكون الحل الجذري الناجع لهذه المشكلة هو "الخصخصة" ببيع المعامل والمؤسسة، أو بالسماح للمزيد من الشركات الخاصة بدخول سوق الإنتاج والتوزيع والجباية. بل إن القطاع الخاص يتحمل مسؤولية هذه المشكلة كما يتحمله القطاع العام (مؤسسة كهرباء لبنان) إن لم يكن أكثر منها.
 
وإذا كان القطاع الخاص تمكن من تأمين الكهرباء لعملائه 24/24 ساعة، فإن ذلك فقط لأنهم اضطروا إلى دفع مبالغ خيالية لهذه الشركات الخاصة قياساً بما يدفعونه لـ"الدولة". ولو تقرر أن تحصل مؤسسة كهرباء لبنان القيمة نفسها التي تحصلها الشركات الخاصة مقابل كل كيلووات ساعي، لكانت ميزانيتها رابحة، ولكان لديها الفائض للمزيد من المشاريع المربحة في قطاع إنتاج وتوزيع وجباية الكهرباء.
 
لكن رفع الأسعار هذا، في لبنان كما في أي بلد آخر، لا يخضع فقط لـ"اقتصاد السوق"، أو العرض والطلب، بل يخضع أولاً وأساساً لاعتبارات استراتيجية وسياسية وحتى سيادية. وفي بلد محدود الإمكانيات مثل لبنان، بنسبة كبيرة من الفقراء، فإن النتيجة الحتمية لرفع الدعم عن الكهرباء "الرسمية" يعني عودة الكثير من اللبنانيين إلى "الشمعة"، وإفلاس الكثير من الورش والمعامل الصغيرة العائلية. وهذه نتيجة لا تعني الشركات الخاصة، لكنها يجب أن تعني مؤسسة وطنية هي جزء من الدولة.
 
في النتيجة فإن خصخصة الكهرباء في لبنان سيحل المشكلة من حيث توفر التيار الكهربائي، لكنه سيراكم مشكلة أخرى تتعلق بقدرة الناس على شراء الكهرباء الخاصة في بلد يعيش الكثير من سكانه بالقرب من خط الفقر.
 
لكن هناك حلول أخرى يمكن للدولة اللبنانية أن تقوم بها، لوحدها أو بمشاركة أصدقائها، تكون رابحة فيها وتؤمن الكهرباء بسعر معقول للناس في الوقت نفسه، وذلك على العكس من الدعاية الكبيرة التي تغزو لبنان اليوم وتدعي أن لا حل سوى كف يد مؤسسة لبنان، وإطلاق أيدي الشركات الخاصة.
 
كهرباء لبنان مشكلة تحتاج إلى حلول جذرية، لكنها اليوم "كرة" تتقاذفها التيارات السياسية المختلفة لتتصيد من خلالها خصومها من جهة، و"بقرة حلوب" مكتنزة تغري القطاع الخاص بالكثير من الأرباح إذا تمكن من انتزاعها من "الدولة" من جهة أخرى.
 
فما الذي ستقرره الحكومة الجديدة التي تعرف أن ملف الكهرباء هو أحد أهم التحديات العاجلة على طاولتها؟
 
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 4